مصادر الصياغة الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مصادر الصياغة الإسلامية

مُساهمة من طرف نور الدين في الأحد 27 مارس 2011 - 9:32

لو حاولنا معرفة السمات العامة لعلم الاجتماع الإسلامي، من خلال العرض السابق لأهدافه، لوجدنا أنها تتلخص فيما يلي:
1- أنه موجّه قيمياً ومذهبياً "أيديولوجياً":
وهذا ينفي صفة الحياد حيال القيم - بالمفهوم الوضعي- عن الباحث المسلم، ويثبت له صفة في مقابل ذلك، وهو أنه ناقد في أبحاثه. مما يعني أن عالم الاجتماع المسلم ملتزم بالإسلام، ويسعى لخدمته، وينقد الواقع على ضوء عقائده وتشريعاته، ولا يتصور من مسلم مخلص في إسلامه، أن يقف من الواقع المنحرف موقف المحايد، فلا بد أن يدرس الهوة الموجودة، بين الواقع، والمثال الذي شرعه الله، أي بين المجتمع، وبين المعتقدات الإسلامية التي يؤمن بها. كما يعني هذا أيضاً، أن يتصدى للقضايا المطروحة "في علم الاجتماع المعاصر، من منطلقات مادية إلحادية، كالقضية القائلة: بأن الدين من صنع المجتمع، أو أنه ظاهرة نشأت بنشأة المجتمعات، دون تحديد ما لمفهوم الدين وطبيعته... كما يتصدى لدحض الاتجاه الماركسي في علم الاجتماع، والذي يحيل الواقع الاجتماعي إلى المادية التاريخية، التي تعتبر علاقات الإنتاج، وظواهر المجتمع، ونظم الحياة، ليست الإنتاج العوامل الاقتصادية المادية وحدها "(194).

2- أنه مقارن:

فعلم الاجتماع الإسلامي ينزع إلى عقد المقارنات أثناء التحليل الاجتماعي سواء داخل المجتمع المسلم، أو بينه وبين غيره - المقارنة منهج يتبع الوصف، ويسبق التفسير - وتوضح المقارنة إذا عقدها الباحث المسلم الواعي، أصالة القيم، والمبادئ الإسلامية، فيستطيع الباحث أن يبين أصالة الإسلام من خلال موقفه تجاه الأسرة مثلاً، ومكانة المرأة فيها، وما يتبع ذلك من قوامة الرجل، وتربية الأبناء، والحقوق المترتبة على عقد الزوجية، وكذلك نظام تعدد الزوجات والطلاق، وغير ذلك من المواضيع. وتعد الدراسة التي أعدها أنيس أحمد بعنوان: "النساء المسلمات والتعليم العالي " دراسة رائدة في علم الاجتماع الإسلامي، اعتمدت على منهج المقارنة، إضافة إلى غيره من المناهج. ففي سبيل إثبات أفضلية فصل المؤسسات التعليمية العالية الخاصة بالنساء عن الرجال، عقد المؤلف مقارنات شملت أحوال المرأة ودورها في عدة أنحاء من العالم، فبدأ بدراسة نمط اشتراكي، تمثل في المزارع الجماعية في إسرائيل، ثم بدراسة نمط رأسمالي تمثل في موضوع "المرأة في العالم الأكاديمي في الغرب "، "والمرأة في القوات المسلحة الأمريكية "، كما درس المرأة في نموذج آخر هو النموذج الصيني، ثم خلص إلى أفضلية نظرة الإسلام إلى تعليم المرأة. وتعد هذه الدراسة مقنعة لمن يبحث عن الحقيقة في هذه القضية، التي تتجاذبها الأهواء(195).

3- أنه يسعى لوضع الخطط العلمية:

ويعني هذا أنه يسعى لتطبيق المعرفة التي توصل إليها، وذلك تمشياً مع نظرة الإسلام إلى العلم، حيث إن غايةالعلم هوالعمل، ولا خير في علم بلا عمل.

4- أنه واقعي:

بمعنى أنه يناقش ما هو كائن في الواقع، وذلك تمشياً مع طبيعة علم الاجتماع الذي يناقش واقع المجتمعات البشرية من خلال العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين البشر.

والحقيقة أن هذه السمات العامة توحي بمصادر الصياغة الإسلامية لعلم الاجتماع. ويمكن أن نلخص هذه المصادر في ثلاثة أمور هي: الوحي، وتراث المسلمين، والتراث العالمي. وهذا يتعلق بالمصادر الفكرية والمعرفية أو الفلسفية. أما المادة المبحوثة، فمصدرها الواقع لا غير، بكافة أبعاده.

أولا: الــوحــي

ليس من الغريب أن يكون الوحي، قرآنا وسنة، مصدر من مصادر علم الاجتماع الإسلامي، فبالإضافة إلى أن كل علم إسلامي، لا بد أن يستمد مصادره الأولى، وأسسه من القرآن والسنة، فإن علم الاجتماع على الخصوص، الذي يدرس علاقة البشر بالبشر، لا يستطيع أبدا أن يستقل بعيدا عن الوحي، وإلا فإنه سيقع في متاهات، لا يعرف دروب الحقيقة، لأن الوحي نظم كثيرا من شؤون الحياة الفردية والاجتماعية تنظيما لا يجوز لأي مسلم مهما كان، الخروج علنه، كما أن الوحي هو أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، التي بلغها جبريل للرسول ، مما يعني أنها إرادة الله الذي يعلم كل ما يصلح للإنسان، منفردا أو في جماعة، ومهما حاول البشر من أي الجنس، فإنهم لن يجدوا أفضل مما أراده الله لهم، "والحال أن الوحي من حيث هو علم الله الكامل، لا يمثل ذلك الماضي، ولا الحاضر ولا المستقبل، بل هو يمثل ذلك الماضي، ولا الحاضر ولا المستقبل، بل هو يمثل الحقيقة الأزلية ، التي لا ترتبط بالزمن، ولا تخضع له.. فهو ليس تاريخا للبشرية، أو حركة حضارية، تختص بمرحلة من مراحل تطور تاريخ أمة من الأمم "(196). ومن هنا فإن الأحكام التي تأتي بها الشريعة الإسلامية، يسلم بها عالم الاجتماع المسلم، دون أي تردد، ويقتصر دوره حيالها على صياغتها صياغة فنية، تناسب الأساليب المتبعة في علم الاجتماع. فرأي الشريعة نهائي في الأحكام، التي نصت عليها. وقد أثبت التاريخ أن الأحكام التي تأتي بها الشريعة رأيها فيها بشكل نهائي، وأثبتت تجربة التاريخ صحة الحل الشرعي.

1 - حرمت الشريعة الربا، حيث قال الله تعالى : -وأحل الله البيع وحرم الربا -(البقرة:275)، بينما أجازته القوانين الوضعية، باعتباره صفقة تجارية كالبيع. وتعامل معه علماء القانون والعلوم الاجتماعية على هذا الأساس. وقد أثبت التاريخ عصمة الوحي الإلهي. وبطلان الأحكام الوضعية التي يتوصل إليها البشر بأنفسهم، بعيدا عن الوحي، " فبسبب تحريم الربا استمر الاقتصاد الإسلامي لمدة ألف سنة، دون أن تظهر طبقة فاحشة الغنى، وأخرى فاحشة الفقر. والنظام الاقتصادي الحديث القائم على الربا، هو أول نظام من نوعه أنشأ الوضع الاقتصادي القلق في المجتمع، بتوزيع الثروات طريقة عير عادلة، وهذا النظام عاجز عن حل هذه المعضلة "(197). " إن الربا هو الطريقة الوحيدة في التعامل الاقتصادي التي تجعل دورة الثروة تجري في اتجاه واحد، عن هذه الخاصية في الربا هي التي جعلت النظام الصناعي نظاما استغلاليا "(198).

2 - قال تعالى :- والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم -(المائدة: 38). فالعقوبة في الشريعة الإسلامية تعتمد على أن الإنسان تعتمد على أن الإنسان مخلوق له كامل الحرية والإرادة في اختيار أفعاله، فعند ارتكابه أي جريمة عمدا، فإنما هو بقصده وإرادته، ولذلك قررت الشريعة عقوبات رادعة للمجرم، وفيها عبرة للآخرين ، وزجر لهم، ليخافوا من مصيره، وعلى هذا فقد حكمت الشريعة بقطع يد السارق، وقتل القاتل العمد، وغير ذلك من العقوبات ، وفي هذا العصر ظهرت نظريات تخالف ما سبق، ترد سبب الجريمة إلى الأحوال الاجتماعية المحيطة بالفرد، فالجريمة كما يرى أحد علماء الاجتماعي، ولكنها على العكس تشكل جنوحا اجتماعيا، هو حصيلة تعاون كل من النظام الاجتماعي وثقافة المجتمع، على نشوئه وتطويره (199). فهي عمل اضطراري غير متعمد، يكمن سببه في الأحوال الحياتية والأمراض العقلية، والعسر المادي، والأحوال الاجتماعية، وطالبت هذه النظريات باعتبار المجرم مريضا تجب معالجته وإصلاح أحواله بدلا من معاقبته، وقد حازت هذه النظريات على الإعجاب، وعملت بها غالبية الدول في العصر الحاضر، فأقيمت الإصلاحيات بجل السجون، وألغيت العقوبات الرادعة للجرائم الأخلاقية، ومع ذلك فقد زادت للجرائم. واضطرت بعض الدول إلى إعادة عقوبة الإعدام بعد أن ألغتها(200).

3 - تنظر الشريعة الإسلامية إلى علاقة الرجل بالمرأة، على أنها علاقة متكاملةـ يكمل بعضها بعضا، فدور المرأة مكمل لدور الرجل، وعلى هذا بنت أحكامها المختلفة، ويقتضي ذلك اختلاف مجال عمل المرأة في بيتها، ومجال عمل الرجل خارج البيت.

ولكن الدراسات الحديثةـ ومنها دراسات في علم الاجتماع، روجت لفكرة أخرى تدعي المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وأن كلا منها نسخة طبق الأصل للآخر. وهذا اقتضى أن يعما كل من الرجل والمرأة في مجال واحد، بدون تميز أو تفريق. وقد أصبحت هذه النظرة هي المسيطرة حاليا في العالم. وقد بدأ الناس يدركون مساوئها. ويشعرون بفداحة خلط الأدوار، مما يؤيد رأي الشريعة، وقد نشأت كثير من المشاكل عن هذا الخلط، نذكر منها هنا أمرين فقط:

(أ ) مشكلة الأولاد المحرومين من تربية الوالدين، حيث ينهمك الوالدان في عملهما خارج البيت، ولا يتاح لهما فرصة الرعاية والإشراف على الأولاد.

(ب ) مشكلة كبار السن، "فبينما يعاني الأطفال الحرمان من حنان الوالدين، نعاني الكبار الحرمان من الأقرباء والأصدقاء المخلصين الأوفياء "(201). لذلك يعوض هؤلاء هذا النقص بعقد صداقات حميمة مع الحيوانات كالكلاب والقطط والطيور الخ.

إن الأمثلة السابقة تثبت أن التاريخ العملي للبشرية يقف إلى جانب الشريعة الإسلامية، مؤيدا صلاحيتها، ومصداقيتها، فالشريعة الإسلامية وهي كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية، تتصف بالكمال والشمول والثبات، " فالكمال لأنها من لدن إله خير بمكنون النفس البشرية، والشمول لأنها تضمنت كل ما يتصل بالحياة البشرية، من عبادات ومعاملات ونماذج سلوك، أما الثبات فلأنها لم تكن شريعة، الخاصة، أو شريعة العرب، أو شريعة زمان وكل مكان وحتى تقوم الساعة "(202) فالقرآن والسنة جاءا لسان العرب، وألفاظهم وطريقتهم في التعبير، ولكن المعاني التي يحملانها لا توصف بالعربية، ولكنها إنسانية، تهم وتهتم بكل البشر، في أي مكان، وفي أي زمان.

وإذا كان علو الاجتماع يهدف إلى معرفة الظواهر الاجتماعية معرفة علمية، بقصد التحكم في المجتمع، وتنظيمه، وسن القوانين المناسبة، فإن علم الاجتماع الإسلامي يقف مسلما عند أحكام الشريعة الإسلامية، كما وردت في الكتاب والسنة. وبعد أن سنها الله سبحانه وتعالى، وأثبت التاريخ أفضليتها إلى غيرها. فقد وضع القرآن الكريم الإطار الرئيس لشكل وطبيعة العلاقات داخل المجتمع الإسلامي ، و يحتكم إليه المسلمون في كل الأمور التي يختلفون فيها. وما كان مجملا في القرآن فصلته السنة، وقد أكد القرآن على ضرورة الأخذ عن السنة النبوية. قال تعالى: -فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول -(النساء: 59).

فالمجتمع الإسلامي هو صنيعة الشريعة الإسلامية وليس صانعها، حيث استهدف الإسلام منذ للحظة الأولى خلق الإنسان العابد والجماعة العابدة، كأساس للمجتمع الصالح، والدولة الصالحة.. ولذلك عملت الشريعة الإسلامية على تنظيم العلاقات المختلفة لذلك الإنسان، بما يحقق هدف استخلافه في الأرض(203). وهو بذلك يختلف عن المجتمع ذي القوانين الوضعية، الذي يضع قوانينه بنفسه، حيث تكون غالبا ردود فعل لذلك المجتمع في ذلك الوقت. وعلى هذا فإنه ما يلبث حتى يطور، ويغير، ويلغي ويستحدث منها ما يوافق ظروفه المتغيرة.

إن إيمان علو الاجتماع المسلم بالأحكام الشرعية، التي جاء بها الوحي، تجعله ينظر إليها على أنها أصلح لناس من غيرها، لذلك فهو ينقد انحراف المجتمع عنها، ولا ينقدها هي. وهذا يخالف ما عليه كثير من علماء الاجتماع الذين نذروا أنفسهم لمحاربة أحكام الشريعة والانتقاص منها.

وهكذا نرى مما سبق: أنه لا يمكن فصل علم الاجتماع عن الشريعة الإسلامية كما وردت في المصادر الأساسية، وهي القرآن والسنة النبوية.

ويمكن أن نضيف في علاقة علو الاجتماع بالوحي الإلهي ما سبق أن ذكرناه من الأساس العقدي، الذي يكون نظرة الإنسان إلى الكون والحياة، وما وراءهما، وكيف أنها تؤثر في نظرة عالم الاجتماع إلى الواقع الاجتماعي. لقد اعتنى الوحي بمسألة الألوهية، ومقتضيات التوحيد، وإثبات الرسالة وضروريتها، وإثبات البعث والحساب والجزاء، لأنها حق لا شك فيه، ولأنها تشكل " القاعدة الأساسية التي يتوقف عليها ما يبتغيه الإسلام من تغيير في مجال التصور الواقع، وبالتالي الوصول إلى ما يرتضيه من إصلاح شؤون الناس، من حيث أوضاعهم الاجتماعية، والأخلاقية، والاقتصادية والسياسية "(204).

كما أن الوحي بيِّن كثيرا من ا لأمور التي تتعلق بطبيعة الإنسان وطبيعة التاريخ البشري، وطبيعة النظام الاجتماعي، يستمد منها عالم الاجتماع الأفكار الرئيسة التي يحلل ويفسر على ضوئها الظواهر الاجتماعية.

إضافة إلى أن له " نظرات محددة في أصل الأديان ونشأتها، وتعاقب النبوات، وتتبع تشريعاتها وأحكامها. كما أن فيه مفهوما للأمة، وموقفا نظريا وعلميا من التطور الإنساني، من القبلية إلى التعارف الإنساني، الذي يجمع وينسق بين جميع أنواع الأشكال الاجتماعية "(205) تخالف النظريات التي تشيع في علم الاجتماع.

كما أن القرآن حفل بكثير من القصص الذي حكت أحوال كثير من الأمم السابقة. وقد صاحب ذلك الدعوة إلى العظة والاعتبار، مما حل بأولئك الأقوام. وكذلك بيان سنن الله في المجتمعات وفي الأنفس التي لا تتغير. وهذا يفتح بابا واسعل أمام عالم الاجتماع المسلم، لاستخراج السنن الاجتماعية، التي أشار إليها القرآن، ومحاولة تطبيقها، ودراسة المجتمعات الإسلامية على ضوئها. ولعلنا نشير هنا إلى طرف من هذه السنن.

لقد دل القرآن ودلت السنة على أن هلاك الأمم لا يقع إلاّ بأسباب معقولة وموضوعية. ولقد أشار القرآن صراحة إلى ذلك في قوله تعالى:- فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض... وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون -

(هود: 116-117). وقد بيّنت آيات أخرى هذه الأسباب المعقولة، كما اتضحت أيضا في سياق قصص الأمم الهالكة. ومن هذه الأسباب ما بينته الآيات التالية:

-وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها -(القصص:58).

-وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مجرميها ففسقوا فيها -(الإسراء:16)

-وكذلك جعلنا في كلِّ قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها -(الأنام:123).

"إن الآيات المذكورة أبانت أن تدمير المجتمعات، واندثار حضارتها، وخلاء مساكنها من بعدها، كان بسبب ما ينشأ فيها من بطر واستكبار وطغيان، وبما تتردى فيه من استغراق في الشهوات وإسراف في المتع واللذائذ "(206).

فقوم نوح، لم يصبهم العذاب إلا بعد أن تأصلت فيهم المفاسد الاعتقادية والاجتماعية، وانتشرت بشكل عام مما يصعب معه الإصلاح، حتى أن نوح عليه السلام دعا عليهم قائلا:

-ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا -(نوح: 26).

وأما "عاد " فلم تهلك غلا حينما اتبعوا سبيل المفسدين الظالمين، وملؤوا بلادهم بالظلم. قال تعالى: (وتلك عادّ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد )

(هود: 59).

وأما قوم لوط فلقد بلغ تنكرهم للأخلاق حداً صاروا يرتكبون فيه الفواحش علانية في المجالس والأسواق والنوادي، ولم يبق منهم رجل رشيد. قال تعالى: ((أئنكم لتأتون الرِّجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المُنكر )) (207) [العنكبوت:29]

ثانيا : تراث المســلمــين

لا بد أن نعرف في البداية أن نعرف في البداية أن " التراث في لغة العرب معناه الميراث، وأنه يطلق على وراثة المال والحسب والعقيدة والدين "(208). فالتراث الإسلامي: هو ما ورثناه عن آبائنا من عقيدة، وثقافة، وقيم ، وآداب، وفنون وصناعات، وسائر المنجزات الأخرى المعنوية والمادية، بل إنه يشتمل على الوحي الإلهي : القرآن والسنة، الذي ورثناه عن أسلافنا. ففي القرآن الكريم : -يرثني ويرث من آل يعقوب -(مريم : 26). قال الراغب الأصفهاني : "فإنه يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه ". وقد أطلق الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه كلمة الميراث على التراث العقيدي والثقافي، عندما قال لبعض الصاحبة رضي الله عنهم : " أنتم هنا وميراث محمد يوزع في المسجد.. "(209). فلم يكن في المسجد سوى حلق ال كر وتلاوة القرآن. وقد أوضح لهم أبو هريرة رضي الله عنه ، أن هذا هو ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.

ومع أن هذا هو معنى التراث في العربية إلا أن استعماله كمصطلح في العصر الحاضر يقود إلى مزالق غاية في الخطورة وذلك حين التعامل معه، فقد ساوى الدارسون في تعاملهم مع التراث بين "ما مصدره الإله الخالق. فالكل يتعرض لعملية النقد والانتقاء والقبول والرفض "(210)

لقد اختلط الأمر على كثير من الدارسين في هذا العصر. وذلك لأنهم يعدون الوحي الإلهي، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، جزاءا من التراث الذي يخضع للنقد والاختيار، حيث يحاكمونه كما يحاكمون آراء المسلمين وتصرفاتهم. فهو في نظرهم ليس معصوما، وليس فوق حواجز الأزمنة والأمكنة.

لذلك فإنه لا بدلنا أن نضع حدا فاصلا لهذا الخلط، ولا بد أن نفرق بين الوحي الإلهي، وبين فكر البشر، وجهدهم وتصورهم، حول نصوص الوحي وتفسيره وشرحه.

فالشريعة الإسلامية العامة "لها جانب دستور عبارة عن نصوص قاطعة سواء أكانت في بيان أصول العقائد، أو ما يتصل بأسس تنظيم الحياه البشرية في كلياتها وبعض جزئياتها المهمة "(211). وهذا الجانب عقيدة ومنهجا هو ما يتصف بصفة الدوام والاستمرار، "الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان وأطر وحاتهما الموقوتة، الزائلة، المتغيرة، النسبية، لكي تكون بمثابة استشراف كامل مرن يتسع لكل حالة، ويحتوي كل تجربة بعض النظر عن موقعها في الزمان والمكان "(212). ولا يمكن إخضاعه لعملية النقد والاختيار التي يتعرض لها التراث.

وهناك جانب آخر في الشريعة الإسلامية هو الفقه الإسلامي، الذي يمثل اجتهادات العلماء وأحكامهم وأفهامهم . وهي لا تعد بالضرورة أحكام الله سبحانه وتعالى، ولذلك فإن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والمجتهدين الذين جاؤوا من بعدهم، كانوا لا يقبلون قول القائل في مسائل الاجتهاد: هذا حكم الله، بل كانوا يقولون على سبيل المثال: هذا ما حكم به " أبو بكر "، وهذا ما قضى به "عمر " ، وذلك ما رآه "علي " رضي الله عنهم أجمعين(213). وهذا الجانب خاضع لعملية النقد والاختيار كبقية جوانب التراث الأخرى حيث أنه نتيجة للتفاعل مع الوحي.

إن الوحي المتمثل في الكتاب والسنة، هو الذي يجب رفعه عند التعامل مع التراث " فهو لا يقبل الانتقاء والاختيار منه، أو محاولة تطيعه للواقع، أو التفكير بتوظيفه لتحقيق مصالح خاصة، أو عامة، بل هو إطار يحكم الحياة، ولكنه يدعها تتطور داخله "(214). وما عدا الوحي الإلهي، من اجتهادات بشرية منذ أن انقطع الوحي إلى قيام الساعة فهي ليست معصومة ولا مقدسة، وهي ما نقصده بتراث المسلمين هنا. ولا بد هنا من كلمة موجزة عن أهمية التراث الإسلامي وغنائه.

الحقيقة أن احترام التراث هو احترم أي أمة لتاريخها وتراثها، شرط لانطلاقها ونموها. كما أن احترام التراث هو احترام للنفس والذات، والاستهزاء به استهزاء بالنفس. ولا يمكن لأي أمة تنسلخ من تراثها، أن تحقق أهدافها، يقول شكيب أرسلان : "لماذا ترى أعظم شباب اليهود رقيا عصريا، يجاهدون في إحياء اللغة العربية، التي لا يعرف مبدأ تاريخها لتوغلها في القدم، ولا يقال عنهم إنهم رجعيون، ومتأخرون، وقهقريون ؟.. كل قوم يعتصمون بدينهم، ومقومات حياتهم، ومشخصات قومهم الموروثة؛ ولا ينبذون بهذه الألقاب إلا المسلمين... جميع هؤلاء الخلاق تعلموا، وتقدموا، وترقوا، وعلوا، وطاروا في السماء. والمسيحي منهم باق على إنجيله وتقاليده الكنيسة، واليهودي باق على وثنه وأرزه المقدس، وكل حزب فرح بما لديه، وهذا المسلم المسكين يستحيل أن يترقى، إلا إذا رمى بقرآنه وعقيدته، ومآخذه، ومتاركه، ومنازعه، ومشاربه، ولباسه، وفراشه، وطعامه، وشرابه، وآدابه، وطربه "(215).

ويقول إيضا، وهو في ذلك يرد على أولئك الذين يريدون أن يقطعوا حاضر هذه الأمة عن ماضيها: "..إن هذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضية، واعترافه بأن آباءه كانوا سافلين، وأنه هو يريد أن يبرأ منهم، لا يصدر إلا عن الفسل الخسيس، الوضيع النفس، أو عن الذي يشعر أنه في قومه دنئ الأصل، فيسعى هو في إنكار أصل أمته بأسرها، لأنه نعلم نفسه منها بمكان خسيس، ليس له نصيب من تلك الأصالة، وهو مخالف لسنن الكون الطبيعية، التي جعلت في كل أمة ميلا طبيعيا للاحتفاظ بمقوماتها ومشخصاتها، من لغة، وعقيدة، وعادة، وطعام، وشراب، وسكنى، وغير ذلك إلا ما ثبت ضرره "(216).

وعلى هذا، فلا بد أن يعتز المسلم بتراثه ويفخر به، ويجعله نقطة البداية لنهوضه. حتى الأشكال والطقوس، وطرق التعبير، يجب عدم الاستهانة بها، بدعوى أن لمضمون والمحتوى أهم، " فالتضحية بالشكل كثيرا ما تؤدي إلى التضحية بالمضمون، وتقليد الشكل كثيرا ما ينتهي إلى تقليد المضمون، وتقليد الشكل كثيرا ما ينتهي إلى تقليد المضمون. فالادعاء بأن المهم هو مضمون العلم، وليس اللغة التي يكتب أو يدرس بها، ادعاء غير صحيح، لأن التضحية باللغة القومية في التعبير، يؤدي في النهاية إلى التضحية باللغة القومية في التعبير، يؤدي في النهاية إلى التحية بطريقة كاملة في التفكير، ونظرة عامة للحياة، ويطرح من الأسئلة ما لم يكن ليطرح، ويضيع من القضايا ما كان ليضيع "(217).

حتى اللباس المميز، وأسلوب المعمار، ووسائل النقل وغيرها، ليست أمورا تافهة، يمكن استعارتها، دون أن يكون لها آثار مضرة، " إن التخلي عن الطقوس ينتهي بالتخلي عن الشخصية الذاتية، ونقل طقوس الأخرين ينتهي بنقل أفكارهم، ويشل القدرة على ابتداع أفكار جديدة "(218).

لا بد هنا أمام عظمة هذا التراث، أن نتساءل: كيف يمكن أن يستفيد علم الاجتماع الإسلامي من التراث؟

أرى أولا : أن أهم أمر يستفيده علم الاجتماع من التراث الإسلامي، هو تلك الروح التي تميز هذا التراث عن غيره، فمن المعلوم أنه نتيجة علاقة وتفاعل مع الوحي المتمثل في الكتاب والسنة، مما حدد له الغايات، وأعانه في تحديد الوسائل، يقول الفيلسوف جارودي: "إن ما يميز العلم الإسلامي، مأخوذا بكليته، هم أنه لا يفصل أبدا بين الاستعمالين الرئيسين للعقل: البحث عن الأسباب، والبحث عن الغايات، أي الملاحظة والاستقراء، اللذين يسمحان بالانتقال من الوقائع إلى القوانين والنظريات، وبالصعود من غاية إلى غاية، من غاية تابعة إلى غاية أسمى "(219). ويوضح جار ودي كلامه هذا بقوله في مكان آخر: "وليس صحيحا كذلك أن العلم العربي مجرد تاريخ انتهى، قبل أن يبدأ تاريخ علمنا.. فالعلم العربي، خلافا لتصورنا الوضعي، لا يفصل العلم عن الحكمة، إذ لا يغيب عن ناظريه: المعنى والغاية.. وبما أنه لا يعتبر الشيء مجرد واقعة، بل ينظر إليه على أنه"آية"، سواء أكان ذلك من ظواهر الطبيعة، أم من كلام الأنبياء، فهو لا يعزل تحليل العلاقات بين الأشياء لاكتشاف قوانينها، عن تركيب علاقاتها بالكل الذي يعطيها معنى.. فكل شيء دنيوي، إذا ما نظرنا إليه من خارج علاقاته بالكل، ومقدس "ديني" حتى أقل ذرة، إذا ما نظرنا إليه من حيث علاقته بالله "(220).

فلقد كانت كل الأعمال العلمية السلف الصالح، مع تحريها للحق ومبالغتها في ذلك، تتجه إلى كسب رضى الله سبحانه وتعالى. ومن ثم كان طلب الحق لا غير، هو الدافع لهم، ليفتشوا، ويبحثوا، بأقصى قدرة يملكونها، وكانوا وقافين عند الحق إذا تبين لهم، وكثيرا ما يتراجعون عن آرائهم واجتهاداتهم إذا تبين لهم، وكثيرا ما يتراجعون عن آرائهم واجتهاداتهم إذا تبين لهم خطاها.

وأورد هنا مقتطفا من وصية الإمام الفخر الرازي، لأبين كيف كان طلب الحق لا غير، هو الموجه للسلف الصالح في بحثهم. يقول أثناء وصيته - ويتوجه بالدعاء إلى الله في ذلك - "أقول: يا إله العالمين، إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فلك ما مر به قلمي، أو خطر ببالي فاستشهد علمك، وأقول: إن علمت مني أني أردت تحقيق باطل، أو إبطال حق، فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما اعتقدت أنه هو الحق، وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي، لا مع حاصلي "(221).

وقد كان الإخلاص في كسب رضي الله سبحانه وتعالى، وراء ترفع العلم والعلماء عن خدمة الأغراض والغايات الدنيوية والنفعية، بحيث تُقلب الحقائق، ويصور الباطل في صورة الحق.

وهذا ما يخالف الروح الحديثة التي تسيِّر كثيراً من العلماء في كافة المجالات، فقد انصب اهتمام العالم على الفترة العُمرية التي يعيشها، ومن هنا نشأت مفاهيم المنفعة، واللذة، والحسية، والفردية، التي طبعت الحياة الاجتماعية بطابعها، وقد أصبح العلماء على استعداد لتبرير أكثر الأعمال وحشية، والاندماج في خدمة السياسات الظالمة القاهرة. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ولعل ما كتبه رينيه جاندارم يعبِّر صراحة عما نقصد. فقد كتب عن العوامل الاقتصادية، والثقافية، التي تقف حجرة عثرة أمام التنمية الاقتصادية ومثل على ذلك بالإسلام في الجزائر. ويقصد من كتابته: "تسويغ الوجود الاستعماري، مؤكداً أن دور الاستعمار يصبح جليلاً وشريفاً إذا كان غرضه تنمية الإمكانات الاقتصادية، والخيرات التي وفرتها طبيعة هذا البلد، ولم يتمكن العرب من إدراك أهميتها، ولا من إحكام استغلالها، وذلك لأن الإنسان المسلم، كلما اعترضه مشكل من مشاكل الحياة، أو وجد نفسه أمام عقبة من عقبات الدهر، تراه يتخاذل أمامها، فلا يتصدى لها بالعزيمة الضرورية الكافية، لأنه يرى فيها مشيئة الله، فيسلم الأمر إلى الظروف، ويستسلم لأمر الله، وبما أن الأسبقية المطلقة لا يمكن أن تكون إلا لمشيئة الله على مشيئة العبد، فإن الذي لا يستسلم قد يتعارض مع الإدارة الإلهية "(222).

إن هذا التنزيف قصد به الكاتب إقناع الناس بأن الاستعمار نعمة ساقها الله إليهم، لأنه سبيلهم إلى النمو، وأن الإسلام نقمة عليهم، لأنه يقف في وجه تقدمهم ونموهم. ولم يأبه الكاتب أبداً لمعرفة الحق والوقوف عنده. ولكنه كان يمشي خلف أغراضه الدنيوية.

إنه يجب على علماء الاجتماع المسلمين، أن يسلكوا سبيل أسلافهم، ويقتدوا بمنهجهم في طلب الحق، وابتغاء وجه الله، وهذا يتطلب أن يكونوا مثلهم في تسليمهم بعصمة الوحي، وأنه لا يأمر إلا بحق، ولا يمكن أن يخالف الواقع، لأنه صادر عن الله سبحانه وتعالى المحيط بكل شيء.

ومن ناحية أخرى، فإن النظريات والآراء التي طرحها التراث تشكل خلفية تاريخية، لها أهمية كبرى عند دراسة معظم الظواهر الاجتماعية. فهو من هذه الناحية يعد مستودعاً للتجارب التاريخية، التي مرت بها الأمة الإسلامية. وهذا يفتح أمام الباحث آفاقاً كثيرة للبحث والدراسة، كما أن الكثير من هذه الآراء والنظريات، لم تفقد أهميتها حتى الآن. وأذكر هنا نظريات ابن خلدون، التي لا يزال كثير منها يتمتع بالمصداقية والواقعية، بل إن فكر ابن خلدون في مجمله أقرب إلى فهم واقعنا، من كثير من النظريات المستوردة، يقول أحد الباحثين: "إن الستة قرون الماضية التي تفصلنا عن ابن خلدون لا تشكل حاجزاً بيننا وبين مقدمته.. بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن "المقدمة" تكاد تكون المؤلف العربي الوحيد، الذي نحس عند مطالعته بأنه يتحدث فعلاً إلينا، وبأنه فعلاً منا وإلينا، وبالتالي نشعر بأنه أكثر معاصرة منا لأنفسنا وواقعنا. . وبعبارة أخرى، أننا عندما نقرأ "المقدمة" نشعر بأننا نقرأ ما لم نكتبه بعد، ونسمع فعلاً ما لم نقله بعد "(223). فقد حوت مقدمة ابن خلدون نظريات قيمة بمنظور العصر الحاصر، فقد ذكر مثلاً:

"أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب، في شعاره، وزيه، ونحلته، وسائر أحواله، وعوائده ".. ويذكر أن السبب في ذلك "أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها... أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك، واتصل لها حصل اعتقاداً، فانتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به،.. أو لما تراه - والله أعلم - من أن غلب الغالب لها، ليس بعصبية، ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب "(224).

إن هذه النظرية تفسر حالة المجتمعات الإسلامية في هذا العصر، ويستطيع عالم الاجتماع المسلم أن يطبق هذه النظرية في كل مجال من مجالات الحياة، وفي جميع المجتمعات الإسلامية تقريباً.

وذكر ابن خلدون "أن الظلم مؤذن بخراب العمران"، وذكر "أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا، ومفسدة للجباية "، كما نبه أيضاً إلى "ما يجب مراعاته في أوضاع المدن، وما يحدث إذا غفل عن تلك المراعاة ". وذكر أيضاً "أن من عوائق الملك حصول الترف، وانغماس القبيل في النعيم. "، كما رأى أيضاً "أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة "، ورأى أيضاً "أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع "... وغير ذلك من فصول المقدمة.

والحقيقة أن أمام عالم الاجتماع المسلم المعاصر إمكانية عظيمة للزيادة على هذه النظريات، والبناء عليها، خصوصاً مع توسيع علم الاجتماع وتعدد فروعه.

وليس ابن خلدون وحيداً في هذا المضمار، بل هناك غيره، نذكر منهم: ابن تيمية، وهو ألصق من ابن خلدون بالنصوص الشرعية، ونذكر من نظرياته السديدة: نظريته التي دار حولها كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم "، والتي تعني بالأصالة الذاتية للمجتمع الإسلامي، وأنه لا بد أن يتميز عن غيره، ويترفع عن تقليد المجتمعات الأخرى.

يقول ابن تيميه: "ثم إن الصراط المستقيم، هو أمور: باطنة في القلب: من اعتقادات، وإرادات، وغير ذلك، وأمور ظاهرة: من أقوال، وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون أيضاً عادات: في الطعام، واللباس، والنكاح، والمسكن، والاجتماع، والافتراق، والسفر، والإقامة، والركوب، وغير ذلك. وهذه الأمور الباطنة والظاهرة، بينها - ولابد - ارتباط ومناسبة. فإن ما يقوم بالقلب من الشعور والحال، يوجب أموراً ظاهرة.. وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعوراً وأحوالاً. وقد بعث الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ، بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له.

فكان من هذه الحكمة: أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم، والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة "(225).

وقد أشار ابن تيمية بعد ذلك إلى أسباب الدعوة إلى التميز والاختلاف فذكر الأمور التالية:

"منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر، تورث تناسباً وتشكيلاً بين المتشابهين، يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس. فإن اللابس لثياب أهل العلم - مثلاً - يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلاً، يجد في نفسه نوع تخلّق بأخلاقهم". . ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر، توجب مباينة ومفارقة، توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطاف إلى أهل الهدي والرضوان.

ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهراً بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين "(226).

ومن الممكن جداً النظر إلى المجتمع الإسلامي في العصر الحاضر نظرة نقدية على ضوء هذه النظرية، فإن من الواضح أنه بدأ يفقد هويته المميز له، ويميل إلى اقتباس كثير من عادات المجتمعات الأخرى، وخاصة مجتمعات أوربا الغربية.

وإضافة إلى ذلك، فإن المعلومات القيمة التي يحويها التراث لا يمكن الاستغناء عنها، سواء كانت معلومات تشريعية، تتعلق بالاجتهاد في الشريعة الإسلامية، أو معلومات تتعلق بوصف الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم كالمعلومات التي قدمها الحالة كابن فضلان، وابن جبير، وابن بطوطه، وابن حوقل، والبيروني، وغيرهم، فهي تعطينا صورة صادقة لحالة المجتمعات في ذلك الوقت. وقد قدم السلف الصالح أفهاماً ثاقبة لأحكام الشرع الإسلامي ومقاصده، تشكل نقطة انطلاق لعالم الاجتماع المعاصر.

وأخيراً، هناك قضايا يجب التنبيه إليها، عند التعامل مع التراث، وأول هذه القضايا: هي قضية الاستفادة من المعلومات المبثوثة في كتب التراث. فعالم الاجتماع الحديث غير المدرب، يجد صعوبة بالغة عند تعامله معه، "ذلك أن مصنفات العلم الحديث، لا توجد ولا حتى أسماؤها في التراث على هذا النحو، كذلك فإن التراث قد يحتوي على معلومات قيمة، لا يمكن تصنيفها طبقاً لأن تصنيف جديد، ولا ربطها به.. إن العالم المسلم الذي تدرب في الغرب، كثيراً ما ينهزم أمام استغلاق التراث عليه، الأمر الذي دفعه بقوة إلى الإعراض واليأس، والحكم بأن ليس في التراث شيء، حول موضوع البحث، مع أن الحقيقة أنه هو الذي لا خبرة له بتصنيفات التراث، التي تندرج تحتها مثل تلك المادة الملائمة لموضوعه(227).

لذلك فإن الكشف عما يتعلق بعلم الاجتماع في التراث، يعد ضرورة يجب على القادرين القيام بها، بحيث تجمع هذه المعلومات في موسوعة واحدة أو أكثر حتى يسهل الوصول إليها.

والقضية الثانية هي: أن المقصود من استلهام التراث، لا يعني أن نبحث عن إجابة عصرية في التراث، فنتساءل مثلاً: هل قال ابن خلدون بمبدأ جبرية الظواهر الاجتماعية - كما هو رأي دوركايم - أم لا؟ فإذا وجدنا ابن خلدون قال ذلك، حكمنا بصلاحية التراث، وكفاءته، وإن لم يقل ذلك، حكمنا بأن لا فائدة من التراث. وأنه عاجز عن مسايرة العصر. إن مثل هذا الموقف مع أنه يخطئ فهم الصياغة الإسلامية، فإنه من جهة أخرى ينتهي بالتقليد العقيم، والاستسلام للنظريات الغربية السائدة.

والمقصود من استلهام التراث، هو الالتزام بمقوماته، ومسلماته، وما يتعامل معه التراث كبدهيات، والكشف عما لا يزال من ذلك حياً في حياتنا المعاصرة ونمط تفكيرنا(228).

وثالث هذه القضايا هي: التأكيد على الالتصاق الوثيق بين التراث، وبين الإسلام، ولغته العربية، "وأية محاولة لتصوير تراثنا على أنه مجموع ممارسات "علمانية" لا علاقة لها بالإسلام، أو حشد من الخبرات، وأن التجارب الإسلامية لا علاقة لها بالعروبة، وتسعى للفصل بين الاثنين، إنما هي محاولة انفعالية غير علمية، جزئية غير كلية، موقوتة غير دائمة، وطارئة غير أصلية "(229). فالحديث عن تراث قومي، وعن مراحل فرعونية، أو فينيقية، أو بابلية، ونحو ذلك، خدعة كاذبة، فتراثنا الحي إسلامي الهوية، عربي اللغة، "وكل ما سبقه فهو مما وقع عليه سيف الانقطاع الحضاري، فتوقف لأن لغته ماتت، ولم يعد له وجود حقيقي "(230).

ومن ناحية أخرى، فإن النظر إلى التراث بمنظار الأيديولوجيات المعاصرة هو خطأ أيضاً لا يقل عن سابقه ضلالاً، فمثلاً أن نجعل ابن خلدون يميل إلى النظرة المادية(231)، أو ننتقده لإخلاله بشروط البحث العلمي، وذلك لإيمانه بما يخالف الحس الواقع، حيث يقول أحد الباحثين: "ولا شك أنه يحق لنا أن ننتقد ابن خلدون على ذكره الشيطان والشياطين، في عدة مجالات من مقدمته، وعلى بحثه عن السحر، بشيء من التفاصيل، في بعض الفصول من هذه المقدمة "(232)، هو أمر يجب أن نحذره، لأنه ينقل صورة خاطئة لتراث المسلمين.

ثالثاً: التراث العلمي في علم الاجتماع

لا يمكن أن يقوم علم الاجتماع الإسلامي بمعزل عن التراث العالمي في هذا العلم . فكثير من الأبحاث والدراسات في علم الاجتماع تبحث عن الحق وتتلمسه، وليس من الفائدة في شيء أن ترفض مثل هذه الأبحاث. وإنما الذي يرفض من علم الاجتماع دون تردد، هو الأيديولوجيات ، والفلسفات ، والخلفيات العقائدية ، التي تشكل أطرا لهذا العلم . ويرفض أيضا كل ما هو من خصوصيات العرب ، التي تمثل معاناته التاريخية ، وردود فعله على عصوره الوسيطة ، ومواجهته لتسعف الكنيسة ونسقها ، وقهر اللاهوت والميتافيزيقا، إلى غير ذلك من الهموم التي عاشها ، ولسنا في حاجة إلى أن يصدرها إلينا لتضاف إلى همومنا(233).

والحقيقة ، أن مجيء علم الاجتماع ملتصقا بهذه الفلسفات والعقائد، دفع الكثير من المسلمين إلى الإعراض عنه - حاله حل باقي العلوم الاجتماعية- والحكم عليه بأن لا فائدة ترجى من ورائه (234). وهذا حكم ظالم، وموقف خاطئ مبني على الوهم لا على العلم، تسبب فيه ارتباط هذا العلم بتلك الفلسفات المعادية للدين. وهو موقف ينطبق عليه نظرية الغزالي في سبق الوهم إلى العكس حيث قال: "ومن هذا نفرة الملدوغ من الحبل المرقش…ولكن خلقت النفوس مطيعة الأوهام، وإن كانت كاذبة، حتى إن الطبع لينفر من حسناء سميت باسم اليهود. والنفرة من المذاهب، إذا نسبت إلى من يسيء الاعتقاد فيهم، ليست طبعا للعوام خاصة، بل طبع أكثر العقلاء والمتسمين بالعلوم، إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه " (235).

فنفرة المسلمين من علم الاجتماع تشبه نفرة الملدوغ من الحبل المرقش ،وذلك لأنهم يرونه أحيانا معارضا للدين، مما أدى إلى فقدان الثقة فيه. والحق أن واجب عالم الاجتماع المسلم تجاه التراث العالمي هو التفاعل معه، على ضوء موقفه النظري الإسلامي ، فما وافق موقفه قبله ، وما خالفه رفضه وانتقده انتقاد توجيه وإصلاح. إن التراث العالمي يخضع للمبدأ الذي جسده الحديث النبوي الشريف " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها "(236).. و"لاشك أنه ليس من مصلحتنا العلمية أن نرفض علما أو حكمة ما ، لكون صاحبها غير مسلم ، أو غير ملتزم بالقيم والمثل التي نفترض توافرها في الدراسات الاجتماعية، وإننا لن نرفض التراث العالمي جملة ،ولكننا لن نقبله جملة أيضا ،وإنما سوف نتفاعل معه على أساس من معايير أو مقاييس تساعدنا على أن نقوِّم ، وننقد ،ونتفاعل ، ونختار من هذا التراث الذي يمثل التراث الإنساني "(237). وهذا بالضبط هو موقفنا من نظريات وآراء مفكري ومؤسسي علم الاجتماع الغربيين .

وهناك فروع كثيرة من علم الاجتماع لا بد من بناء الإضافة الإسلامية فيها على التراث العالمي الموجود ، لأنها تشكل معرفة تراكمية وعالمية ، تزداد يوما بعد يوم ، ومن الخطأ مطالبة علم الاجتماع الإسلامي بالبدء من الصفر، في مثل هذه المواضيع، ولا بد بالطبع من الانتباه إلى ما هو من خصوصيات المجتمع الغربي .. ومن أمثلة هذه الفروع : علم الاجتماع الصناعي ، وعلم الاجتماع الطبي ، وعلم الاجتماع التنظيمي ، وعلم اجتماع المهن ، وعلم الاجتماع الريفي ، وعلم الاجتماع الحضري ، وغيرها من الفروع المتعلقة بالجانب الميداني.

ولعل أهم جانب يستفيده علم الاجتماع الإسلامي من التراث العالمي هو جانب مناهج البحث ، التي تبدأ بحركة التوثيق سواء كان مكتبيا أو ميدانيا، وتنتهي بالتفسير والتخريج والإجابة عن تساؤلات البحث.

إن الشروط العلمية لأي بحث ، والمتعلقة بالنزاهة والأمانة، وطلب الحق والصدق، والبعد عن الهوى، كان للمسلمين فضل كبير في احترامها، والتنبيه إليها.وقد حاولت مناهج البحث الحديثة تجسيدها في شكل أدوات تعين على تقليل الخطأ. وذلك كالتأكيد على استخدام الملاحظة والإحصاء والاستبيانات، واختيار العينات ، أو المقابلة ، والمعايشة، والمقارنة، وهذه كلها أدوات يستعين بها علم الاجتماع الإسلامي ، فهي تمثل قاسما مشتركا بين جميع البحوث أينما أجريت، "لأن قواعد المنهاجية العامة لا تحتاج إلى أقلمة خاصة، أو تطويع ما حسب المجتمع المبحوث فيه ، أو وضعية الباحث، فهي من العناصر الشائعة التي يختار بينها، حسب الظروف والإمكانيات "(238) فهي تهدف إلى تسهيل الإجراءات ، وتحديد المشكلة المعنية، وإعطاء نتائج قريبة من الصحة أو صحيحة.

ومع ذلك فإن طرق البحث ومناهجه، لا تخلو من شوائب تحتاج إلى تطهير وانتقاء: وهذه الشوائب لا تمس صلب هذه المناهج ، ولكنها تتعلق "بما حولها، أو ما تستخدمه من كلمات وعبارات مختلفة، ومفاهيم " وفرضيات قد لا تتلاءم مع أوضاع المجتمعات الإسلامية، وهذا هو الذي أدى بالكثير من الباحثين إلى أن يكرسوا "أوقاتا ثمينة وجهودا طائلة في بحوث منطلقها غير وارد ، فنراهم يحصلون الحاصل، ويلهثون لإثبات بدهيات ثابتة منذ عهد بعيد، أو ينقلون استنتاجات قد تكون تحققت فعلا في مجمعات أخرى ، لكن في ظروف مغايرة .. فتراهم يتفانون في تدقيق بعض المصطلحات ،ويسلطونها من أعلى على أوضاع مجتمعاتهم ، والحال أن تلك المفاهيم .. وليدة المجتمع الأوروبي المسيحي ، واستخدامها باسم كونية المعرفة العلمية غير وارد ، وغير مشروع ، لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار كل الأوضاع الممكنة إنسانيا ، ولكن البعض منها فقط .. ولذا نلاحظ أن عديدا من الأبحاث لا مبرر لها ، سوى إرادة إثبات صحة النظرية الماركسية ، أو البنيوية ، فتكون بمثابة تصريف النظريات على حساب المنهاجية "(239).

إن استخدام مفاهيم منقولة من مجتمع إلى مجتمع آخر، يعني في الوقت نفسه إسقاط جزء من تاريخ المجتمع ، الذي نبتت فيه هذه المفاهيم على المجتمع الذي نقلت إليه، وربما يكون هذا المجتمع لم يمر أبدا بما مر به المجتمع الأول.. مما يعني تشويه الواقع . فالمفهوم ، ليس عبارة عن لفظ محايد وبريء، ولكنه لفظ نبت تحت ظروف معينة ، ومنغمس في العقائد ، وقد يكون له تاريخ طويل، فهو ليس بريئا البته. فلو استخدم باحث المفاهيم التالية: علاقات الإنتاج الأبوية، البدائية ، العبودية، الإقطاع ، الأرستقراطية التجارية ، الجماهير، الصراع الطبقي ، المادية وسائل الإنتاج، ثم حاول تطبيقها على الاجتماع الإسلامي في فترة معينة ، لأدى به ذلك إلى قلب الحقائق تماما ، واختراع مجتمع لم يره تاريخ المسلمين في يوم مما . ولا ريب أنه سيكون أقرب إلى المجتمع الأوروبي ، الذي نبتت فيه مثل هذه المفاهيم.



المصدر : [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
avatar
نور الدين
عضو نشيط
عضو نشيط

ذكر
تاريخ التسجيل : 14/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى