القيـــاس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القيـــاس

مُساهمة من طرف جواد في الإثنين 22 نوفمبر 2010 - 18:29

د- القيـــاس

تعريفــه:
القياس هو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع.
والقياس في اللغة التدبر والمساواة، يقال قست النعل بالنعل أي قدرتها بها، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه وقد يعدى بعلي كقولهم قاس الشيء على الشيء.
والأصل فيه قاس يقيس بالمعنى نفسه، والمقياس المقدار.

والقياس في الاصطلاح الشرعي ذهب فيه الأصوليون مذهبين، ونظروا إليه من زاويتين:
أ‌- الزاوية الأولى: من حيث إنه دليل شرعي معتبر، فعرفوه بأنه: (مساواة الفرع للأصل في علة حكمه).
ب‌- الزاوية الثانية: من حيث إنه عمل المجتهد يظهر به الحكم الشرعي، وعليه فلا يثبت الحكم به إلا بإظهاره على أنه المجتهد، فعرفوه بأنه: (تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة لا تدرك بمجرد اللغة).

تحليل التعريف الأول:
مســـاواة: تعني التعادل بين الفرع والأصل في العلة المستوجبة للحكم في الأصل، فيخرج بذلك ما لو كانت العلة في الفرع أقل منها في الأصل، فإنه لا يقاس عليها، والتعبير بالمساواة يشعر بأن الحكم إنما ينتقل من الأصل إلى الفرع بمجرد هذه المساواة تلقائيا بدون أن يقوم بنقله المجتهد، فهو ثابت للفرع بهذه المساواة نفسها.

الفرع للأصل في علة حكمه: إشارة إلى الأركان الأربعة التي لا يقوم القياس إلا بها، وهي: الفرع، والأصل، والعلة، والحكم.
وسوف نضرب مثالا لذلك يوضح معنى كل منهما وكنهه: وهو قول الفقهاء: (النبيذ كالخمر في الحرمة للإسكار).
فالنبيذ فرع لأنه يقاس على شيء آخر ويلحق به.
وكالخمر: هو الأصل، لأنه المقيس عليه.
وفي الحرمة: هو الحكم، لأنه الوصف الشرعي المنقول من الأصل إلى الفرع.
والإسكار: هو العلة التي من أجلها شرع الحكم في الأصل، وبسبب وجودها في الفرع مساوية للأصل نقل الحكم من الأصل إلى الفرع،
والعلة هنا لا يشترط فيها على هذا التعريف إلا أن تكون في الفرع مساوية لها في الأصل، فيدخل في ذلك علة الفرع المشمولة في دليل الأصل في أصل اللغة وغير المشمولة به في الإطلاق اللغوي، ومعنى ذلك اختلاط القياس بدلالة النص على هذا التعريف، مع أن القياس غير دلالة النص أو مفهوم الموافقة كما يسميها الشافعية، وهذا بدون شك عيب في التعريف لأنه غير مانع.

تحليل التعريف الثاني:
تعديــة: أي نقل، ولا بد للنقل من ناقل، والناقل هنا هوالمجتهد، فكان معنى ذلك أن القياس إنما هو عمل المجتهد، فلا يعتبر الحكم منقولا من الأصل إلى الفرع إلا إذا قام المجتهد بنقله إليه، فهو غير ثابت في الفرع قبل ذلك، وهذا هو الفارق الأساس بين هذا التعريف والتعريف الأول.

الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة متحدة: فيه إشارة إلى أركان القياس التي جرى بيانها في تحليل التعريف الأول، والمراد بلفظ متحدة ما أريد بلفظ المساواة في التعريف الأول نفسها، أي أن تكون العلة متمكنة في الفرع بمقدار تمكنها في الأصل، ولا تكون أولى منها.

لا تدرك بمجرد اللغة: أي لا تعرف بمجرد الوضع اللغوي لألفاظ حكم الأصل، فلو كان دليل حكم الأصل شاملا لها بمجرد الوضع اللغوي لكان هذا الدليل دليلا على إثبات الحكم للفرع بطريق مباشر، ولا حاجة معه إلى القياس، والمقصود بهذا القيد إخراج دلالة النص عند الحنفية، وهي ما يسميه الشافعية مفهوم الموافقة، فإنها ليست من القياس في شيء، وبذلك يكون هذا التعريف تلافي القصور الذي تضمنه التعريف الأول، فكان جامعا مانعا.
ومن أمثلة دلالة النص قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء:23)، فإن لفظ (أف) يشمل الضرب في أصل الوضع اللغوي لهذا اللفظ، لأن الضرب تأفف وزيادة، فكان الضرب ممنوعا بنص الآية مباشرة لا بطريق القياس على التأفف، وكانت الآية دليلا أصيلا على التأفف ودليلا أصيلا على الضرب، دون قياس أحدهما على الآخر.

مذاهب الفقهاء في القياس وحجيته:
قدمنا في أول باب مصادر التشريع أن المصدر الأصلي لهذه الشريعة هو قول الله تعالى، ولا مصدر غيره، وأثبتنا أن السنة الشريفة والإجماع علامتان قطعيتان على قول الله سبحانه وتعالى وحكمه، فكانا مصدرين بعد القرآن الكريم لذلك، وهنا نقول إن القياس مصدر من مصادر الشريعة، فعلينا أن نثبت دلالته على حكم الله تعالى، وإلا فما كان لنا أن نجعله مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي.
ولا بد لنا قبل التعرض لأدلة حجية القياس أن نبين مدى اعتبار الفقهاء للقياس، وأخذهم به، فالفقهاء في حجية القياس على مذاهب ثلاثة هي:
1- مذهب جماهير العلماء، وهو الاحتجاج بالقياس مطلقا، ولهم على ذلك أدلة من النقل والعقل.
2- مذهب ابن حزم والنظّام والخوارج وبعض الشيعة، وهو إسقاط الاحتجاج بالقياس مطلقا ومنعه، ولهم على ذلك أدلة أيضا.
3- مذهب القاشاني والنهرواني وداود بن علي الأصفهاني، وهو أن القياس ليس حجة إلا في صورتين فقط هما:
أ‌- أن ينص الشارع في حكم الأصل على العلة القائمة في الفرع باللفظ أو الإيماء، كأن يقول: إنما حرمت الخمر للإسكار، فعندها يصح قياس البيرة والنبيذ وكل المشروبات الأخرى التي يتيقن فيها الإسكار على الخمر، وإلا فلا.
ب‌- أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، لأن العلة فيه أقوى منها في الأصل وآكد، كقياس الضرب على التأفف في قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء:23)، فإن الضرب أولى بالتحريم من التأفف، لأن العلة وهي الإيذاء آكد في الضرب منها في التأفف.

الأدلـــة:
1 - استدل الجمهور لمذهبهم في الاحتجاج بالقياس بأدلة كثيرة أهمها:
آ- قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2).
وجه الاستدلال أن الله تعالى أمر بالاعتبار، والقياس نوع من الاعتبار، فالقياس مأمور به لذلك، ثم إن الأمر للوجوب، والقياس مأمور به، فالقياس واجب، فإذا كان واجبا كان العمل به واجبا أيضا، فكان دليلا لذلك.
فإن قيل المراد بالاعتبار هنا الاتعاظ لأنه المفهوم من سياق الآية، أجيب بأن الاعتبار يفيد الاتعاظ بطريق العبارة، لأنه المقصود من السياق، وهو يفيد القياس بطريق الإشارة أيضا، لأن الاعتبار هو الاتعاظ، وكل ما هو رد الشيء إلى نظيره، أي إثبات الحكم على الشيء بالدليل المثبت لحكم نظيره، وليس قاصرا على الاتعاظ فقط في أصل اللغة، نعم أنه مساق للأول دون الثاني، وهذا يقتضي أن يكون الأول مفهوما بطريق العبارة والثاني مفهوما بطريق الإشارة لا غير.
فإن قيل: ما دامت الآية واردة في الأول فقط فهذا يعني أن الثاني غير مراد مطلقا، أجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا محل اتفاق، فلا داعي لمخالفته هنا مادام القياس داخلا في الاعتبار في أصل اللغة.
فإذا سلمنا أن الاعتبار هو الاتعاظ فقط، فإننا نقول: القياس ثابت بهذه الآية الكريمة بطريق دلالة النص، وبيانه أن الله قد ذكر هلاك قوم بسبب اغترارهم بقولهم، ثم أمر بالاعتبار بحالهم ليكف الآخرون عن مثل هذا السبب، فلا يحصل لهم ما حصل لأولئك، فكان معنى ذلك أن الله وضح لنا أن العلم بالعلة موجب للعلم بالحكم، وهذا هو القياس، فكان الاتعاظ المراد من الاعتبار شاملا المعنى النفسي الذي هو الامتناع عن العود، وللمعنى الحسي الذي هو بمعنى انصراف الذهن إلى مثل ذلك الحكم عند وجود العلة نفسها، وعلى ذلك كان القياس نوعا من أنواع الاتعاظ، فكان مشمولا ومدلولا عليه بالنص.
ب- حديث معاذ بن جبل ، حيث روي عنه أنه بعثه النبي  إلى اليمن وقال له: بم تقضي؟ قال بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله تعالي؟ قال: أقضي بما قضى به رسول الله ، قال: فإن لم تجد فيما قضي به رسول الله  قال: أجتهد برأيي، قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله.

وجه الاستدلال: أن الرسول  أقر معاذا على الاجتهاد برأيه فيما لا نص فيه، والقياس نوع اجتهاد، فكان مقرا به من قبل النبي ، وما كان مقرا به منه  فهو سنة، والسنة حجة كما تقدم.
ثم إن حديث معاذ هذا مشهور، والمشهور يفيد طمأنينة الظن كما تقدم في باب السنة الشريفة، فكان صالحا لإثبات القياس لذلك.
فإن قيل: الاجتهاد الذي أقر الرسول  معاذا عليه قد يكون بغير القياس الذي نحن بصدده، فقد يكون المراد به إعمال العقل في الاستنباط من النصوص الخفية الدلالة، أو الحكم بالبراءة الأصلية عند عدم وجود الدليل المانع، أو المراد به القياس على المنصوص على علته، فإنه يجاب بأن الاستنباط من المنصوص الخفية الدلالة إنما هو إعمال للنصوص وليس زيادة عليها، فكان ذلك مما في الكتاب والسنة، والاجتهاد في حديث معاذ إنما ورد على ما ليس في الكتاب والسنة، وأما حكم البراءة الأصلية، فإنه ثابت أيضاً بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:145)، فكان مما في الكتاب والسنة أيضاً، وبالتالي ليس هو المراد بالاجتهاد في حديث معاذ.
فبقي المراد من الاجتهاد في هذا الحديث القياس، وقد جاء مطلقاً، وهو يشمل ما كان منصوص العلة وغير منصوصها على حد سواء، والقاعدة أن المطلق يبقى على إطلاقه حتى يظهر دليل التقييد، ولم يظهر فيبقى هنا على إطلاقه، فيكون القياس الذي نحن بصدده داخلاً فيه ومدلولاً عليه به.
فان قيل: ذلك حكم خاص بمعاذ لا يتعداه إلى غيره،أجيب بأن الأصل عدم الخصوصية، إلا أن يثبت دليل عليها، وهنا لم يثبت دليل الخصوصية، فيبقى عاما للمسلمين جميعاً، ويدل لذلك قوله  (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة).
ثم إنما أقر النبي  معاذا على القياس للحاجة إليه عند فقدان الدليل، والحاجة ماسة إليه في كل عصر، ولكل قاض وفقيه، فكان ذلك دليلاً على عدم الخصوصية.
فإن قيل إن هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3)، فإنها جاءت بعده بيقين، ثم إنه كان محتاجاً إليه في أول الأمر لعدم تمام القرآن الكريم والسنة، فلما تمت بهذه الآية لم يعد له من حاجة، أجيب بأن تمام الدين إنما كان من حيث الأصول والأحكام العامة والقواعد الأصلية، لا من حيث الفروع والتفصيلات من تلك النصوص الإجمالية أو الكلية، لأن الفروع غير متناهية، فكانت الحاجة إلى القياس من هذا الوجه مستمرة بعد الآية كالحاجة إليه قبلها، فلم تكن الآية ناسخة له، وإلا فما هي الحاجة إلى الإجماع وإلى الأحكام التي وردت عن طريقه مما لا نص فيه في القرآن الكريم والسنة الشريفة، مع أن الإجماع حجة بالإجماع.
هذا مع الإشارة إلى أن موافقة النبي  ورضاه عن قياس معاذ لم يقيد بزمن دون زمن، بل كان مطلقاً، والمطلق يجب أن يبقى على إطلاقه ما لم يقيد.
ج - أن النبي  كان يقيس بنفسه كثيراً من الأحكام، ويذكر عللها، والرسول  أسوة حسنة لنا وقدوة في كل أعماله وأقواله، فكان ذلك منه دليلاً على صحة القياس هنا، من ذلك حديث الخثعمية التي سألته عن جواز الحج عن والدتها فأجابها: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: بلى، قال: فدين الله أحق أن يقضى)، فإنه  قاس دين الله الذي هو الحج على دين العباد في صحة أدائه من غير المدين عن المدين.
ولكن يمكن أن يناقش هذا الدليل ويرد عليه بأن النبي  مشرع، فلا يقتدي به في هذه الأمور، لأنه لا يقر على خطأ خلافا لنا، ثم إن بيان العلة من الرسول  هنا ليس من باب القياس، إنما هو من باب علة الحكم مع الحكم، ليكون أوقع في النفس وأدخل في القبول، وهو رد قوي وسليم، ولو لم يكن هناك دليل غيره لسقط مذهبهم، ولكن بحمد الله وفضله هنالك أدلة كثيرة غيرها سالمة من أي مطعن، صامدة أمام كل شبهة كالطود، كما نحن بصدده.
د - عمل الصحابة: ذلك أنه ثبت عن جمع كثير من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يعملون بالقياس عند عدم النص، حتى بلغ ذلك مرتبة التواتر عنهم، والعادة تقضي بأن مثل ذلك العمل من قبل الجمع الغفير لا يمكن ولا يحصل إلا إذا كان مستنداً إلى دليل قاطع، وإن كان هذا الدليل غير معلوم لدينا بالتعيين، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:
أولا) ما روى عن أبي بكر الصديق  من أنه سئل عن الكلالة ما معناها، فتلمس الدليل على ذلك من القرآن الكريم والسنة فلم يجد، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان: الكلالة ما عدا الوالد والوالد، ومعلوم أن الرأي أصل القياس، والقياس فرع منه.
ثانيا) ما روي عن عمر بن الخطاب  بعد ما أرسل أبا موسى الأشعري  والياً على البصرة، وكتب إليه كتابا طويلاً فيه كثير من الحكم والأسس، جاء فيه قوله : (اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك)، فهو دليل ظاهر على أمره له بالقياس.
ثالثا) ما روي عن ابن عباس  من إنزاله الجد منزلة الأب في حجب الإخوة من الميراث، وتشنيعه على زيد بن ثابت  الذي يشرك الجد مع الاخوة ولا يحجبهم به خلافاً للأب، وقوله : (ألا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أبا الأب أباً)، وهو يشير بذلك إلى أن ابن الابن يحجب كل من يحجب بالابن، سواء بسواء في مذهب زيد.
فإن قيل: إنه إلى جانب عمل كثير من الصحابة بالقياس ثبت عن كثير من الصحابة رفض القياس وذمة والتشنيع على من عمل به، حتى إنه ثبت عن النبي  نفسه أنه شنع على من عمل بالقياس، فقد ثبت عنه  أنه قال: (مازال أمر بني إسرائيل مستقيماً حتى كثرت فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد كان، فضلوا وأضلوا)، فجعل النبي  قياسهم دليلاً على ضلالتهم).
كما ثبت عن عمران  قال: (إياكم وأصحاب الرأي، فانهم أعداء السنة الشريفة، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا)، والرأي أصل القياس. فإنه بجاب عنه بأنه ثبت عن الصحابة ذم القياس كما ثبت عنهم العمل به والثناء عليه، بل إن كثيراً من الذين ثبت عنهم ذمه ثبت عنهم العمل به كما تقدم، فكان لابد من التوفيق بين هذه الدلالة وذلك، بحمل النهي على القياس الفاسد القائم على الهوى، أو القائم في مقابلة النصوص، وحمل العمل على القياس الصحيح المستوفي للشروط.

أدلة الظاهرية ومن والاهم ممن رد الاحتجاج بالقياس:
أ) قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:89)، إذ معنى ذلك أن الأحكام كلها مستفادة من الكتاب موجودة فيه، فلا حاجة إلى غيره، والقياس إنما هو إثبات لأحكام لم توجد في الكتاب، فكان غير محتاج إليه لذلك.
ولكن يجاب على هذا بأن القرآن الكريم تبيان لكل شيء أي بمعناه ولفظه لا بلفظه فقط، لأن التبيان يتعلق بكليهما، والثابت بالقياس داخل في معنى النص من الأصل، إذ القياس مظهر للحكم لا منشئ له من جديد، فيكون القياس على ذلك دالاً على حكم المقيس بطريق التبيان، وعلى ذلك يكون حكم الله تعالى في المقيس عليه موجوداً في الكتاب لفظاً، وحكمه تعالى في المقيس موجود معنى، وفي ذلك تعظيم لكتاب الله وعمل به لفظاً ومعنى، وهو لاشك أولى من العمل باللفظ وإهمال المعنى كما يفعل أهل الظاهر ومن والاهم، وبذلك يسقط دليلهم من أصله، وينقلب النص على هذا التوجيه عليهم لا لهم.
ب) تشنيعه  على بني إسرائيل لقياسهم ما لم يكن على ما كان، وقد تقدم هذا الدليل في معرض تعليل دليل الجمهور، وبينا الرد الكافي عليه.
ج) لا حاجة إلى القياس أصلا، ولكن إن كان في الكتاب أو السنة الشريفة أو إجماع رجعنا إليه، وإلا تمسكنا بحكم البراءة الأصلية، فإنه ممكن، وقد دعانا إلى التمسك به الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه العزيز: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:145)، فإن الله سبحانه وتعالى اعتبر في هذه الآية أن كل ما لم يذكر له حكم في الشريعة بأنه محرم لا يمكن اعتباره محرماً، فيبقى على حكم الإباحة والبراءة الأصلية.
ولكن يجاب عن ذلك بأن العمل على إثبات حكم الإباحة فيما لا دليل عليه عمل بلا دليل، والآية الكريمة لا تدل عليه، لأن إباحة الله سبحانه وتعالى ما عدا ما ذكر من أنواع المحرمات لم يكن لعدم وجود دليل على تحريمها، ولكنه مستند إلى دليل آخر هو قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة:29)، فإن هذه الآية هي دليل الإباحة، وليس حكم البراءة الأصلية دليلها.
دـ) الحكم حق الشارع، وهو قادر على البيان القطعي، فلا حاجة إلى إثبات الحكم بالدليل الظني وهو القياس، إذ القياس دليل ظني عند الجمهور، ثم هو تصرف فيما هو من حق الله تعالى، لقوله سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (الأنعام:57)، فكان ممنوعاً لذلك.
ولكن يجاب عن ذلك بأن الظن كاف في حق العمل، وهو أيضاً تصرف في حق الله تعالى، ولكن بإذنه، فلم يكن ممنوعاً.
هـ) إن أحكام الله تعالى لا مدخل للعقل في إدراك معناها، وإلا فما هي العلة في جعل صلاة الظهر أربعاً، والمغرب ثلاثا، والعشاء أربعاً، وما معنى فرضه علينا صيام رمضان دون غيره من الشهور … ، وما كان كذلك شأنه امتنع القياس عليه.
ويجاب عن ذلك بأن مالا يمكن للعقل أن يدركه لا نقول فيه بصحة القياس مثلكم، ولكن لا نسلم بأن أحكام الله تعالى كلها كذلك، بل بعضها معقول المعنى وبعضها غير معقول المعنى، ونحن نقول بالقياس في القسم الأول دون القسم الثاني، فلم يبق محل للاعتراض علينا بذلك.

أركان القياس وشروطه:
يتضح من تعريف القياس السابق أن له أركانا أربعة يقوم بها ويتألف منها، وهذه الأركان الأربعة هي: المقيس ويسمى الفرع، والمقيس عليه ويسمى الأصل، والحكم وهو المراد تعديته من الأصل إلى الفرع، ثم العلة وهي الجامعة بين الأصل والفرع، وأكثر الأصوليين على الدمج بين الركنين الثاني والثالث في ركن واحد يسمونه حكم الأصل وهو ما سوف نسير عليه في بياننا لشروط الأركان.
ولكل ركن من هذه الأركان شروط خاصة به لابد من توافرها فيه لصحة القياس، فإذا فات واحد منها بطل القياس ولم يثبت حجة شرعية آنئذ.
وهذه الشروط هــي:
أ) شروط حكم الأصل: حكم الأصل هو الأثر الشرعي الثابت في مسألة يراد قياس غيرها عليها، ولحكم الأصل سبعة شروط هي:
1- أن يكون حكما شرعياً، لأن القياس الشرعي إنما يختص به، ولا علاقة له بالقياسات العقلية أو اللغوية، والحكم الشرعي ما كان نصاً شرعياً.
2- أن يكون ثابتاً بنص من الكتاب أو السنة الشريفة أو الإجماع لا غير، فإذا كان ثابتاً بالقياس، امتنع القياس عليه، لأن العلة الجامعة بين هذا الفرع وأصله إن كانت هي نفسها الجامعة بين ذلك الأصل وأصله، كان القياس على هذا الأصل عبثاً، إذ عندها يمكن القياس على الأصل الأول، مثل ذلك قياس البيرة عل النبيذ في الحرمة بجامع الإسكار في كل، مع العلم بأن النبيذ ثبتت حرمته قياساً على الخمرة لعلة الإسكار في كل أيضاً، ففي هذه الحال يكون قياس البيرة على النبيذ عبثا لا حاجة إليه، لأنه يمكن قياس البيرة على الخمرة مباشرة لاتحاد العلة، وهي الإسكار في كل.
وإن كانت العلة في القياس الثاني غير العلة في القياس الأول، كان القياس الثاني باطلاً، كقياس وجوب النية في الوضوء على وجوبها في التيمم، بجامع الطهارة في كل، مع العلم بأن النية في التيمم ثبتت قياسا على الصلاة، بجامع العبادة في كل، فهو باطل، لاختلاف العلة بين القياسين، مما يتعذر معه قياس الوضوء على الصلاة مباشرة، لاختلاف العلة بينهما.
3- أن يكون دليل حكم الأصل غير شامل لحكم الفرع، فلو كان شاملا له لكان القياس عبثاً لا حاجة إليه، لأن حكم الفرع هنا مأخوذ من النص مباشرة، فلا حاجة إلى القياس معه، لأن القياس إنما يحتاج إليه عند غياب النص، فلا حاجة إليه معه، مثاله قياس البنات على الذكور في حق أمر الآباء لهم بالصلاة وهم أبناء سبع، وضربهم عليها وهم أبناء عشر، لأن أمر الذكور بها ثبت بقول النبي : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع)رواه أبو داود، فإن هذا القياس عبث لا حاجة إليه لأن أمر البنات ثابت بنص الحديث نفسه، لأن الولد يشمل كلا من الذكر والأنثى على حد سواء، والعبث ممنوع في الشريعة، فكان القياس باطلا لذلك.
4- أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس، وهو يشمل حالتين هما:
أ - الحالة الأولى: أن يكون حكم الأصل تعبديا غير معقول المعنى، كعدد الركعات، وأيام الصوم، ومقادير الكفارات، وغيرها مما لا يستطيع العقل إدراك علته، فإن هذه الأحكام لا يصح القياس عليها، لأن من شروط صحة القياس فهم العلة، وهذه نعجز عن فهمها، فلا يصح القياس لذلك، وهذا محل إجماع الفقهاء الذين يقولون بالقياس.
ب - الحالة الثانية: أن يكون حكم الأصل معقول المعنى واضح العلة، ولكنه جاء استثناء من القواعد العامة في الشريعة الإسلامية، لنص خاص به، مثل تضمين الأجير المشترك ما ضاع منه بغير تقصير، فإنه جاء مخالفا للقواعد العامة التي تقضي بعدم التضمين، لأنه أجير في الصناعة وليس أجيرا في الحفظ، فكان حاله في الحفظ كحال الوديع، وهو غير ضامن بالإجماع إذا لم يكن بتقصير منه، فكذلك هذا، ولكن هذا التضمين في الأجير المشترك ثبت بأدلة أخرى أخرجته عن حكم هذه القواعد العامة، منها فتوى علي  وقضاؤه بالتضمين، وغير ذلك. ومن ذلك كل الأحكام التي ثبتت بطريق الاستحسان عند الحنفية، لأنها تثبت على خلاف القياس، وقد وضع الأصوليون لذلك قاعدة، هي: (ما جاء على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس)، ولكن هذه الحالة ليست متفقا على حكمها عند الجميع، بل هي محل اختلاف بين الفقهاء، فمنهم من تمسك بها على إطلاقها، ومنهم من قيدها بشروط خاصة، على النحو التالي:

أ - مذهب جمهور الحنفية وبعض الشافعية وبعض المالكية:
إن ما جاء مستثنى من القواعد العامة في الشريعة لا يجوز القياس عليه بحال، من غير قيد أو شرط، ولذلك لم يقس الأجير الخاص على الأجير المشترك في حق التضمين، لأن حكم الضمان في الأجير المشترك جاء على خلاف القياس.

ب - مذهب الكرخي من الحنفية:
وهو عدم جواز القياس على ما جاء مستثنى من القواعد العامة إلا في ثلاثة أحوال فقط، فإنه يجوز القياس عليه فيها، وهي:
أولا: أن ينص الشارع على علة حكم الأصل نصا، فإن النص هنا إيذان من الشارع بالقياس عليه.
ثانيا: أن يقوم الإجماع على أن هذا الحكم معقول المعنى، فإنه يصح القياس عليه إذ ذاك ولو كان مستثنى من الأصول العامة.
ثالثا: أن يوافق هذا الاستثناء أحد القواعد العامة في الشريعة غير التي خالفها، أي أن يكون جاريا على غير سنن القياس بالنسبة لبعض القواعد، وعلى سنن القياس بالنسبة للبعض الآخر، فإنه يصح القياس عليه لذلك، ومن ذلك كل الأحكام الثابتة بطريق استحسان القياس الخفي عند الحنفية.

ج - مذهب جمهور الشافعية وبعض الحنفية:
وهو عدم صحة القياس على ما جاء مستثنى من القواعد العامة، إلا إذا كان حكما معقول المعنى واضح العلة، فإنه يجوز القياس عليه آنذاك.
1 - أن لا يكون حكم الفرع ثابتا بدليل سابق على حكم الأصل من الناحية التاريخية، لأن ذلك معناه جعل حكم الفرع ثابتا قبل ورود الدليل عليه، وهو باطل، لأن الحكم أثر الدليل، ولا يمكن أن يثبت قبله، مثاله، قياس الوضوء على التيمم في حق وجوب النية، فإنه باطل، لأن الوضوء شرع قبل التيمم، فلم يصح قياسه عليه.
2 - أن لا يكون حكم الأصل خاصا به بدليل اقتضى هذه الخصوصية، فإن كان هنالك دليل على هذه الخصوصية فإنه يمتنع القياس، لأن الخصوصية تنافيه، ومن أمثلة ما ثبتت خصوصيته إقامة شهادة خزيمة وحده مقام شهادة رجلين اثنين، أخذا من قول النبي Sadمن شهد له خزيمة فحسبه)، فإنه خاص بخزيمة  فلا يتعداه إلى غيره، وإن وجدت فيه العلة وهي كثرة الفطنة وشدة الوثوق به، ودليل الخصوصية هنا إطلاق النبي  وقوله: (شاهداك أو يمينه)، وعدم قبوله في حياته إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فكان ذلك دليلا على خصوصية خزيمة ، ومن ذلك أيضا كل خصوصيات النبي  من تزوجه بأكثر من أربع زوجات وغيره، فإنه لا يقاس عليه غيره بحال.

شروط الفرع:
الفرع هنا هو المسألة المراد إلحاقها بغيرها في الحكم لعلة جامعة بينهما.
وللفرع ثلاثة شروط ينبغي توافرها فيه لصحة القياس، وهي:
1- قيام علة حكم الأصل في الفرع، لأن القياس إنما هو تعديه الحكم من الأصل إلى الفرع لاشتراكهما في العلة، فلا بد إذن من توافرها فيهما معا، كقياس النبيذ على الخمر، فإن العلة في الأصل هي الإسكار وهي قائمة في الفرع أيضا، أما قياس الماء على الخمر فممتنع لأن العلة في الخمر هي الإسكار وهي غير موجودة في الماء، فلا يصح القياس لذلك، وهذا الشرط مفهوم من معنى القياس.
2- أن يساوي الفرع الأصل في علة حكمه بأن تكون العلة في الفرع مساوية لها في الأصل، فإذا كانت أنقص منها في الفرع لم يصح القياس، أما إذا كانت أكبر منها فيه، فإنه يصح ويكون ذلك من باب أولى، وهذا الشرط مفهوم من التعريف نفسه، إذ هو كما تقدم: (مساواة الفرع الأصل في علة حكمه)، والمساواة تشمل التعادل كما تشمل ما كانت العلة فيه في الفرع أكد منها في الأصل.
3- أن لا يكون في الفرع نص خاص يدل على مخالفته القياس، فلو كان كذلك كان النص أولى بالاستناد إليه، والقياس في معارضته باطل، مثال ذلك شهادة خزيمة المتقدمة، فإنه لا يجوز في هذه الحال قياس خزيمة على سائر الناس، وبالتالي عدم الاكتفاء بشهادته وحده مثلهم، بل لا بد من إعمال النص الخاص الذي جاء به، وهو الحديث الشريف المتقدم، وصرف النظر عن القياس، لأنه باطل في مواجهة النص، وهذا الشرط تقدم الكلام عليه في شروط الأصل.

شروط العلــة:
اختلف الفقهاء في تعريف العلة، فذهب البعض إلى أنها: (الوصف المعرِّف للحكم تحصيلا للمصلحة)، وذهب آخرون إلى أنها: (الوصف المؤثر في تشريع الحكم)، وهذا اختلاف واسع لا محل لتفصيله هنا، بل المهم هنا هو بيان أن العلة هي الوصف أو المعنى الذي شرع الحكم عنده تحقيقا للمصلحة، سواء كان هذا الوصف مؤثِّرا أو معرِّفا.
وللعلة شروط ثلاثة لابد من توافرها فيها لتصلح لتعددية الحكم من الأصل إلى الفرع، وهي:
1- أن يدور الحكم معها في كل الأحوال، ولا يتخلى عنها في بعض الأحوال، كقياس النبيذ على الخمر في التحريم، فإن العلة هي الإسكار، وهي موجودة في الخمرة مع النبيذ في كل أحوالهما، ولذلك كان القياس صحيحا، فإذا تخلف عنها الحكم في بعض الصور كان القياس باطلا، مثاله مسألة الرجم، فإنه معلل بالزنا، ولكن الزنا لا يصلح علة للقياس، لأن حكمه وهو الرجم يتخلف عنه في بعض الصور، منها زنا غير المحصن، فإنه لا يرجم، ولذلك لا يقاس عليه غيره.
وينبغي أن يتنبه هنا إلى أن ما أخرج عن الحكم بدليل خاص لا يضر في عدم الدوران هذا، مثل استثناء شهادة خزيمة من اشتراط التعدد في الشهود، فإنه لا يؤثر في صحة العلة، وتبقى معه صالحة للنقل فيما عدا حدود المستثنى.
2- أن تكون العلة مطردة منعكسة مع حكمها، بحيث يلزم من وجودها وجوده ومن عدمها عدمه في كل الحالات، أي أن تكون سببا له، وإلا لم يصح النقل بها، ومثال العلة غير المنعكسة المشقة المطلقة في السفر، فإنها علة لقصر الصلاة، وإباحة الفطر، ولكنها غير منعكسة، بدليل أن المسافر مدة القصر له أن يقصر وأن يفطر ولو لم يشق الصوم أو الصلاة عليه، فكان انعدامها غير مؤثر في زوال الحكم المترتب عليها، ولذلك عدل عنها إلى ما هو مظنة لها، فأقيم مقامها، فجعل السفر مدة معينة قائما مقام المشقة الفعلية في وجوب القصر وإباحة الفطر وغير ذلك.
3- أن تكون ظاهرة منضبطة: فإذا كانت العلة خفية لم يجز النقل بها، مثل الإرادة الباطنة في العقود، فإن المدار عليها في الصحة والفساد، ولكن لخفائها ألغيت وأنيط تصحيح العقود وإبطالها بما هو مظنة لها، وهو الإيجاب والقبول، وكذلك إذا كانت ظاهرة ولكنها غير منضبطة، مثل المشقة في السفر، فإنها غير منضبطة، إذ تختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الظروف والقرائن، ولذلك ألغيت وأنيط الحكم بما هو مظنة لها، وهو السفر مدة معينة كما تقدم.

مراحل طرق إثبات العلة:
نحتاج في إثبات العلة وجعلها صالحة لتعددية الحكم إلى دراسة نقاط ثلاث، هي:
1- معرفة علة حكم الأصل، والوقوف عليها من بين الأوصاف التي تحيط بها،، مثل الخمرة فإن لها أوصافا كثيرة، منها أنها مائع، ومنها أنها ملونة، ومنها أنها مسكرة، ومنها أنها لاذعة الطعم، .. فأي هذه الأوصاف هو علة التحريم، وهذا البحث عن العلة في حكم الأصل ودليله يسمى تنقيح المناط.
2- معرفة مدى توفر العلة الثابتة في الأصل في الفرع، وهل هي موجودة فيه أملا،، وهل هي فيه مساوية لها في الأصل أم لا. وهذا ما يسمى بتحقيق المناط.
3- معرفة العلة من النص الذي لم يتعرض لها بالعبارة أو الإشارة، كتحريم الخمرة فإنه جاء مجردا من العلة الكامنة وراء التحريم، وإنما عرفت العلة هنا بطريق الاجتهاد، وهذا ما يسمى بتخريج المناط.
والمناط هنا هو العلة نفسها، فإن لها أسماء كثيرة، منها: العلة والمناط والمعنى وغيرها، وإنما سميت به لأن الحكم مناط بها أي مرتبط بها.
وللعلماء في كل من تحقيق المناط أو تخريجه أو تحقيقه دراسات واختلافات وشروط وطرق متعددة يطول شرحها، ولذلك نصرف النظر عن تفصيلها هنا، ونكتفي بالإحالة إليها في كتب الأصول المطولة.

حكم القياس ومرتبته من الكتاب والسنة والإجماع:
القياس دليل ظني وليس دليلا قطعيا خلافا لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة المتواترة والإجماع، فإنها –كما تقدم- مصادر قطعية، ولذلك فإن القياس يأتي في المرتبة الثالثة من الأدلة بعد نصوص القرآن الكريم والسنة التي هي الأولى، ثم الإجماع الذي هو في المرتبة الثانية، فإذا تعارض القياس مع النص قدم النص عليه، وإذا تعارض مع الإجماع قدم الإجماع عليه أيضا، لأنها قطعية وهو ظني.
هذا وقد يساوي القياس خبر الآحاد لأنه ظني الثبوت، فيكون مثل القياس، ولكن لا بد من الانتباه إلى أن هذا محدود في حالات معينة مختلف عليها بين الفقهاء، وليس قاعدة عامة، إذ القاعدة العامة تقديم النصوص على القياس، ولذلك نصوا على أن النصوص العامة مقدمة على القياس ولو دخلها التخصيص، مع أنها ظنية مثله.

جواد
عضو نشيط
عضو نشيط

ذكر
تاريخ التسجيل: 15/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى