موضوع علم أصول الفقــــــــه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موضوع علم أصول الفقــــــــه

مُساهمة من طرف جواد في الإثنين 22 نوفمبر 2010 - 11:24

موضوع علم أصول الفقــــــــه:
ذهب الآمدي من الأصوليين إلى أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية الأربعة، من حيث إثباتها للأحكام الشرعية، فلا يبحث فيه عن هذه الأحكام إلا بطريق العرض ليتمكن من نفيها أو إثباتها.
وذهب الإمام الغزالي إلى أن موضوعه الأحكام التشريعية من حيث ثبوتها بالأدلة، فتكون الأحكام عن هذه الحيثية أصلاً وجزءاً من أجزاء هذا العلم.
وذهب الإمام سعد الدين التفتازاني مذهباً وسطاً بين المذهبين السابقين، فنص على أن موضوعه الأدلة من حيث إثباتها للأحكام والأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة، فيكون بذلك كل من الأحكام والأدلة أساسا من أسس هذا العلم. وهذا هو المذهب الذي ارتضاه أكثر الأصوليين.

الفائدة من دراسة علم أصول الفقه:
لابد لكل علم من ثمرة وفائدة يقطفها الإنسان من وراء نصبه وتعبه في تتبع نظريات هذا العلم، وإذا كانت الفائدة من دراسة الفقه هي تصحيح الأعمال والأقوال وفق حكم الله تعالى، فما هي إذا الفائدة من دراسة علم أصول الفقه.
الفائدة الأصلية من علم أصول الفقه هي معرفة طرق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها وضوابط هذا الاستنباط، وبذلك يكون هذا العلم الأداة التي يستخدمها المجتهد في استخراجه الأحكام من أدلتها، وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن علم الأصول لا يستطيع أن يستفيد منه إلا المجتهدون، بل هو مقصور عليهم، وبذلك يثار تساؤل كبير، فأي فائدة لنا من هذا العلم بعد ما أقفل كثير من الفقهاء باب الاجتهاد، وعلى التسليم بعدم إقفال هذا الباب فأي فائدة لطالب العلم العادي أو للفقيه بصورة عامة من هذا العلم إن لم يبلغ درجة الاجتهاد؟ والجواب على ذلك واضح لا لبس فيه، نعم إن الفائدة الأساسية لهذا العلم هي التبصر بقواعد الاستنباط مما يمكِّن المجتهد من استنباط الأحكام من أدلتها، وعلى ذلك لا يكون مفيداً إلا للمجتهدين فقط، ولكن لا يعني هذا أنه ليس هناك أي فائدة أخرى لهذا العلم وراء تلك الفائدة! إذ هنالك فوائد أخرى كثيرة تأتي تبعاً لتلك الفائدة الرئيسة، وأهم هذه الفوائد هـي:
1- الفائدة التاريخية، وهي اطلاع المتعلم على تلك القواعد الدقيقة التي استنبط الفقهاء بواسطتها الأحكام، ليزداد وثوقه بدقة الأحكام وأصالتها، مما يثير العزة في نفوس المؤمنين والرضا الكامل عما قدمه المجتهدون لهم من علم الفقه الذي يحتكمون إليه في كل علاقاتهم ومعاملاتهـم.
2- اكتساب الملكة الفقهية التي تمكن الطالب من الفهم الصحيح والإدراك الكامل للأحكام الفقهية، والإطلاع على طرق الاستنباط الدقيق للاستفادة منها والقياس عليها إذا ما دعت الحاجة، وهي لابد داعية إلى ذلك، فإن النصوص التشريعية والقواعد الفقهية محدودة ومشاكل الناس ومسائلهم لا حدود لها، ومن المنطقي أن لا يصلح المحدود حلا لغير المحدود، مما يضطر الفقيه عند تعرضه لبعض الوقائع التي لا نص عليها لدى الفقهاء من إعمال فكره والاستفادة من الملكة الفقهية التي احتواها في استنباط أحكام هذه المسألة على النسق الذي استنبط المجتهدون به مسائلهم وأحكامهم.
3 - الموازنة والمقارنة بين المذاهب والآراء الفقهية لبيان الأرجح والأصح والأولى بالقبول منها، استناداً إلى الدليل الذي صدر عن قائلها، فإن لكل قول من أقوال الفقهاء معياراً أصولياً خاصاً استند إليه، ولابد في الترجيح من جمع هذه المعايير والموازنة بينها على أسس علم أصول الفقه وقواعده، للوصول إلى الرأي أو المذهب الذي يشهد له الدليل الأقوى والأصح.

استمدادات علم أصول الفقه ومصادره:
لابد لكل علم من مصادر يستمد منها قواعده وأحكامه. فالفقه مستمده المصادر التشريعية، وعلم النحو والقواعد مستمده لغة العرب في جاهليتهم، بالإضافة إلى القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، فما هي مصادر أصول الفقه؟.
علم أصل الفقه مستمد من عدة علوم لا من علم واحد، فهو علوم في علم، وهو بحق كما يسميه بعض العلماء مفتاح العلوم، وهو بالجملة مستمد من العلوم التالية:
1) علم الكلام أو علم التوحيد، وذلك لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الله تعالى المشرع الأوحد، ورسله الذين ينقلون شرعه إلى أنبيائه، وهما من موضوع علم الكلام.
2) اللغة العربية بكل ما تضمنه من علوم لغوية و نحوية و بلاغية أو غيرها، وذلك لأن المصادر الأصلية للفقه وأصوله إنما هي الكتاب والسنة وهما عربيان، ولابد في فهم نصوصهما والوقوف على دقائق معانيهما من التمرس بأساليب اللغة العربية وعلومها، حتى إن بعض الفقهاء ذهب إلى أن معنى حصر الرسول الخلافة في قريش إنما هو سعة اطلاعهم أكثر من غيرهم على أساليب اللغة العربية واللهجة القرشية التي بها نزل القرآن خاصة، كما روى عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه شكل لجنة من كبار الصحابة لجمع القرآن بقوله: (إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش فإنه بلغتهم نزل).
3) الأحكام الشرعية، فإنها المعين الأصيل لهذا العلم، بل هي المعين الأول له، ويدخل في الأحكام الشرعية مصادرها، فيكون بذلك الكتاب والسنة المعين الأول الرافد لهذا العلم.

واضع علم أصول الفقه:
اختلف المؤرخون فيما بينهم على أول واضع لعلم أصول الفقه، فذهب الأكثرون إلى أن الإمام محمد بن إدريس الشافعي هو أول من وضع علم أصول الفقه، وألف فيه كتابه المسمى "الرسالة" فإليه يرجع الفضل في إرساء حجر الأساس لهذا العلم، وذهب آخرون إلى أن الحنفية هم أول من وضع قواعد هذا العلم، وأن الإمام أبا حنيفة ألف فيه كتاباً سماه "الرأي" ضمنه قواعد الاستدلال، وأن الإمامين أبا يوسف ومحمدا ألفا كتابين في هذا العلم أيضاً، ولكن هذه الكتب لم تصل إلينا إلا لمامات عنها في بطون الكتب، كما أن الإمام مالكاً أيضاً أشار في كتابه "الموطأ" إلى بعض هذه القواعد، وهذه الكتب كلها كانت قبل الشافعي، والحق أن علم الأصول نشأ مع نشأة الفقه نفسه، لأن استنباط الأحكام متوقف عليه، هذا إذا عنينا المعنى العام لهذا العلم، ولكننا إذا قصدنا ذلك الترتيب والتقعيد المخطوط الذي وصل إلينا عن هذا العلم كما نراه الآن بين أيدينا، فلا بد لنا من أن نعترف للإمام الشافعي بقصب السبق في ذلك، فقد كان كتابه "الرسالة" فتحا جديداً في هذا الفن، وكل ما روي من أن الحنفية سبقوا الشافعي في ذلك فما هو إلا روايات لم يدعمها الواقع، لأنه لم يصل إلينا من ذلك شيء رغم وصول كل كتبهم تقريباً وفي طليعتها كتب ظاهر الرواية للإمام محمد، هذا مع الإشارة إلى أن كتاب الرسالة للإمام الشافعي لم يستوف كل أبواب الأصول وقواعده، ولكنه أرسى المبادئ الأساسية التي كانت في مستقبل الأيام منطلق الأصوليين ومستمسكهم في مؤلفاتهم ومطولاتهم، رغم أنه ألف في أصول الفقه إلى جانب كتابه الرسالة عدة كتب متفرقة، أهمها كتاب: (جماع العلم)، وكتاب: (إبطال الاستحسان).
وقد تتابع العلماء والمؤلفون على التأليف في هذا العلم والزيادة على ما أتى به الشافعي في كتبه المتقدمة، فجاء الإمام أحمد تلميذ الشافعي رضي الله تعالى عنهما وألف كتبه: (طاعة الرسول) و(الناسخ والمنسوخ) و (العلل) ونسج العلماء بعده على نسجه وساروا على منواله.
وقد انقسم الأصوليون في تآليفهم بعد ذلك إلى طرق ثلاثة، لكل طريق من هذه الطرق منهجها الخاص في التأليف والتبويب، وهذه الطرق هي:
1- طريقة المتكلمين أو الشافعية: وهذه الطريقة أرسى قواعدها الإمام الشافعي رضي الله عنه، وسار على هديها بعده عدد من الفقهاء والأصوليين، وتمتاز هذه الطريقة بالبدء بالكلِّي والنزول منه إلى الجزئي، فتبدأ بالقاعدة الأصولية فتنقح وتصفى ويستدل لها بالأدلة الكافية، دون النظر إلى موافقتها للفروع الفقهية المنضبطة بها بادئ ذي بدء، فإذا ما وقفت هذه القاعدة على قدميها أمكن التفريع عليها وضبط الأحكام بها، ولذلك نرى أن الأصوليين الذين ألفوا على هذه الطريقة لا يعنون كثيراً بالفروع الفقهية لعدم حاجتهم إليها.
2- طريقة الحنفية: هذه الطريقة عرفت بالحنفية لأنهم تفردوا بابتكارها والسير عليها والتأليف على منوالها دون غيرهم، ثم عمت في جميع المذاهب بعد ذلك، وهذه الطريقة تقوم على النظر في الأحكام الفرعية وجمع المتناظر والمتشابه منها والخروج من ذلك إلى قاعدة أصولية تضبط كل هذه الأحكام المتماثلة، ذلك أن أئمة الحنفية لم تقع أيدهم على كتاب مؤلف في علم أصول الفقه في مذهبهم كما تسنى للشافعية بوقوفهم على كتاب الرسالة للشافعي، مما اضطرهم إلى تتبع الأحكام المذهبية واستنباط القواعد الأصولية والمعايير الفقهية التي تضبطها وتنطلق منها، إذ أنه لابد للفقيه عند استنباطه هذه الأحكام من أدلتها من ملاحظة بعض المعايير والقواعد، وهذه المعايير والقواعد هي موضوع علم أصول الفقه، ولذلك فإننا نرى أن كتب أصول الحنفية مليئة بالفروع الفقهية، لأنها المصدر الأصلي للقواعد الأصولية لديهم، فلا تقوم القاعدة إلا إذا اجتمع لها من الفروع الفقهية ما يبرر قيامها.
وعلى ذلك فإننا نرى أن قاعدة (الأصل في الأمر الوجوب)، قاعدة أصولية عند كل من الحنفية والشافعية، إلا أن الفريقين يختلفان في طريق الوصول إليها.
فالشافعية يصلون إليها عن طريق أن الأمر يتضمن الطلب، وأن الطلب من الشارع إلزام، والإلزام في أصله إيجاب، وهكذا ينظمون المقدمات والحيثيات حتى يصلوا إليها عن طريق استقصاء الفروع، فيقولون قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (البقرة:43)، جاء بصيغة الأمر، وهو هنا للوجوب بالإجماع، ثم قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) (البقرة:43)، جاء بصيغة الأمر أيضاً، وهو للوجوب بالإجماع …، فمن ذلك نستدل على أن الأمر إنما وضع في الأصل للوجوب.
3- طريقة المتأخرين: هذه الطريقة وسط بين الطريقتين السابقتين، تجمع محاسنهما وتتجنب كثيراً من مآخذهما، وقد أطلق عليها بعض العلماء طريقة المتأخرين، لأن أكثر الذين انتهجوها هم من المتأخرين، وإن كان قد كتب على منوالها بعض المتقدمين أيضاً، وهذه الطريقة تعنى بالفروع الفقهية بقدر ما تعني بإثبات الأصول والقواعد الكلية، فهي تنشئ القواعد الكلية وتقيم عليها الأدلة والبراهين، مع ملاحظة ما ينضبط تحت هذه القاعدة من الفروع، وبذلك يستغنون عن اللجوء إلى كثير مما يضطر إليه غيرهم من الاستثناءات من القواعد التي قعدوها عند التفريع.

أهم الكتب والمؤلفات الأصولية:
لكل طريقة من تلك الطرائق الثلاث المتقدمة مؤلفات خاصة بها، و مؤلفون نذروا أنفسهم للتأليف على نسقها، وأهم هذه المؤلفات ما يلي:
على طريقة المتكلمين أو الشافعيين:
1ـ كتاب الرسالة للإمام الشافعي، وإن كان الكتاب يعتبر أصلا لهذه الطريقة وليس من مؤلفاتها لأنه ليس مستكملاً لفروع العلم ونظرياته.
2ـ كتاب المعتمد لأبي الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الأصل، والمتوفى سنة 423هـ.
3ـ كتاب البرهان لإمام الحرمين الجويني الشافعي المتوفى سنة 478هـ.
4ـ كتاب المستصفى للإمام الغزالي الشافعي المتوفى سنة 505هـ.
5ـ كتاب المحصول للإمام فخر الدين الرازي الشافعي المتوفى سنة 606هـ. وهو جامع لكل من المعتمد والبرهان والمستصفى مع زيادات وشروح.
6ـ الإحكام في أصول الأحكام للآمدى الشافعي المتوفى سنة 631هـ. ويعتبر كتابه هذا جامعاً للمحصول مع زيادة شروح وتوضيحات.
7ـ كتاب المختصر لابن الحاجب المالكي المتوفى سنة 646هـ.
8ـ كتاب المنهاج للبيضاوي الشافعي المتوفى سنة 685هـ، وعليه شرح للإمام الإسنوي.

على طريقة الحنفيين:
1ـ كتاب الأصول لأبي الحسن الكرخي المتوفى سنة 340هـ.
2ـ كتاب الأصول لأبي بكر الرازي المعروف بالجصاص المتوفى سنة 370هـ. وهو أوسع من الكتاب الأول وأكثر تفصيلاً منه.
3ـ كتاب (تأسيس النظر) للإمام الدبوسي المتوفى سنة 431هـ، وهو رسالة صغيرة أشار فيها المؤلف إلى الأصول التي اتفق أئمة المذهب الحنفي مع غيرهم أو اختلفوا فيها.
4- كتاب (أصول البزدوي) للإمام فخر الإسلام البزدوي المتوفى سنة 483هـ. وهو كتاب سهل العبارة، ويعد بحق أوضح الكتب التي ألفت على طريقة الحنفية في الأصول.
5- كتاب (الأصول) لشمس الأئمة السرخسي صاحب كتاب المبسوط في الفقه الحنفي، وهو كتاب واسع العبارة كثير التفصيلات.
6 - كتاب (المنار) للنسفي المتوفى سنة 790هـ.

على طريقة المتأخريــن:
1- كتاب (بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام) تأليف أحمد بن علي الساعاتي البغدادي المتوفى سنة 694هـ، فقد جمع بين كتابي البزدوي – والإحكام للآمدي كما هو واضح من اسمه.
2- كتاب (تنقيح الأصول) للإمام صدر الشريعة عبد الله بن مسعود البخاري- المتوفى سنة 747هـ وهو عبارة عن تلخيص لكتب البزدوي، والمحصول للرازي- والمختصر لابن الحاجب، ثم شرحه المؤلف نفسه نظرا لغموض بعض عباراته في كتاب سماه: التوضيح في حل غوامض التنقيح.
3- كتاب التلويح على التوضيح، وهو شرح هام جدا لكتاب التوضيح السابق، ألفه الإمام التفتازاني. هذا ويعتبر بحق أن كتاب التنقيح وشروحه عمدة العلماء والطلاب – المختصين بهذا العلم.
4- جمع الجوامع لتاج الدين عبد الوهاب السبكي الشافعي المتوفى سنة 771هـ، وعليه شرح هام لجلال الدين المحلي الشافعي، وحاشية قيمة للبناني مطبوعة في الهامش.
5- كتاب التحرير لكمال الدين بن الهمام الحنفي صاحب فتح القدير المتوفى سنة 861هـ، وعليه شرح يسمى (التقرير والتحبير) لابن أمير الحاج الحلبي المتوفى سنة 879هـ.
6- كتاب مسلَّم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور المتوفى سنة 1119هـ، وعليه شرح هام هو (فواتح الرحموت) لابن نظام الدين.
هذا وأود أن أشير هنا إلى أن معظم كتب أصول الفقه التي سبق ذكرها كانت كتبا مضغوطة العبارة في جملتها، كثرت فيها الاختصارات والشروح والحواشي حتى غدا بعض ألفاظها على شكل ألغاز وأحاجي، وذلك يعود لأسباب كثيرة، منها صعوبة هذا العلم واعتماده على علم المنطق كثيرا، ومنها انعدام الطباعة مما كان يضطر المؤلفين إلى اختصار كتبهم لكي يتسنى لها أن تتداول بين أيدي الطلاب والمتفرغين لهذا العلم، فتنقلب إلى أحاجي وألغاز مما كان يضطر مؤلفيها أنفسهم إلى العودة عليها بالشرح والتفصيل كي تتضح معانيها ثانية أمام الطلاب بعد أن كادت تسد بسبب ذلك الاختصار الشديد، كما حدث لصدر الشريعة في كتابه التنقيح، فإنه اضطر إلى شرحه في كتابه التوضيح بعد ما اختصره من عدة كتب سابقة حتى أغلق فهم معانيه على الطلاب، وقد أعرب عن هذا المعنى الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضري في كتابه أصول الفقه فقال ما نصه: (وهذه الكتب التي عنيت بأن تجمع كل شيء استعملت الإيجاز في عباراتها حتى خرجت إلى حد الإلغاز والتعجيز، وتكاد لا تكون عربية المعنى، وأدخلها في ذلك كتاب التحرير لابن الهمام، لأنك إذا جرَّدته من شروحه وحاولت أن تفهم مراد قائله فكأنما تحاول فتح المعميات، ومن الغريب أنك إذا قرأت قبل أن تنظر فيه شروح ابن الحاجب ثم عدت إليه وجدته قد أخذ عبارتهم فأدمجها إدماجا وأخل بوزنها حتى اضطربت العبارة واستغلقت، وأما جمع الجوامع فهو عبارة عن جمع الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئا ولا سامعا، وهو مع ذلك خلو من الاستدلال على ما يقرره من القواعد).
وإنني أرى أيضا أن من أسباب انغلاق هذه العبارات وتلك المؤلفات أن أكثر مؤلفيها كانوا من الأعاجم، فهم على علو قدرهم وكثرة علمهم لم يتمرسوا بأساليب اللغة العربية، ولذلك فإنا نرى العرب الأقحاح منهم جاءت مؤلفاتهم سهلة العبارة خلوا من أي تعقيد، وأصدق مثل على ذلك كتاب الموافقات للشاطبي، فهو كتاب سهل العبارة واضح المعنى لا تعقيد فيه ولا ألغاز، وهو بحق كما وصفه الشيخ الخضري حيث قال: (لا يجد معه الإنسان حاجة إلى غيره) .
ولقد جاء من متأخري الفقهاء من أدرك صعوبة خوض غمار تلك المؤلفات على كثير من الطلاب بل العلماء أيضا، فلجأ إلى تبسيط هذا العلم للدارسين وتقديمه لهم بعبارات واضحة وسهلة فاستعان في كشف ما بقي من تعقيدها بالأمثلة والشواهد المتعددة، ومن أهم هذه المؤلفات الحديثة في علم أصول الفقه.
1- كتاب أصول الفقه للشيخ محمد الخضري، وهو في نظري أنفع هذه الكتب وأجمعها لقواعد الأصول.
2- كتاب أصول الفقه للشيخ محمد أبي زهرة.
3- كتاب علم أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف.
4- كتاب علم أصول الفقه للشيخ شاكر الحنبلي.
وهنالك كتب كثيرة محدثة ألفت في هذا الفن وكشفت كثيرا من غوامضه وأزالت كثيرا من أحاجيه وألغازه، وقد ذكرت أكثرها أهمية فيما تقدم.

جواد
عضو نشيط
عضو نشيط

ذكر
تاريخ التسجيل: 14/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى