نشأة الجرح والتعديل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نشأة الجرح والتعديل

مُساهمة من طرف كوثر في السبت 6 فبراير 2010 - 8:09

نشأة الجرح والتعديل


لقد كانت التحديات الكبيرة التي تواجه المحدثين
إزاء هذا السيل الدافق من الأسانيد والمرويات تحتم عليهم وقفة أخرى – بعد تقعيد
نظرية الإسناد – ليراجعوا البناء الذي قام على مبدأ الإسناد.



ولم تكن كثرة الأسانيد والمرويات لمجردها هي
الدافع لتلك الوقفة والمراجعة، بل إن الفتن التي ظهرت في المجتمع المسلم والتقلبات
المختلفة التي واجهها المسلمون لسبب الفتوحات الكبرى وما لحقها من تجاور للحضارات
المغلوبة.. أو تمازج، وما أغرزه هذا التجاور أو التمازج من تأثيرات سلبية أو
إيجابية.. كل ذلك أدى إلى تلك المراجعة.



لكن أعظم حدث استدعى حفيظة المحدثين ونقلة
الشرع.. تلك الفتن السياسية التي تخفى في عجرها وبجرها فئات من أعداء الدين أو
أصحاب الأهواء الذين ضعف إيمانهم أو انعدم واختل ولاؤهم للدين أو انصرم.



استحلت تلك الفئات لنفسها أن تتخذ من الإسناد
تكأة لانتحال نصوص نبوية تؤيد مذهبهم واتجاههم.



فكان الواحد منهم يعمد إلى إسناد مشهور بنظافته
مثل سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أو علقمة عن عبد الله بن مسعود وينسبون من خلالها
الأحاديث، أو يخترعون أي إسناد (وإن جهل رجاله) ويذيعون بواسطته الآثار والأخبار،
إذ كان الناس يومئذ على أصل الصدق، ولم يكونوا ليظنوا أن أحدا يجرأ على الكذب على
رسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام بعد في ذروة انتصاراته وفتوحاته.



فلما أحس المحدثون برواج تلك الآثار وخاصة بين
الطوائف السياسية المتنازعة ابتدءوا في أخذ الحيطة ورسم السبل لدرء هذه المحاولة
الجديدة في تحريف مصادر التلقي عند المسلمين.



وقد سبق أن تعرضنا في "نظرية
الإسناد" لأثر محمد بن سيرين الذي يقول فيه: « لم يكونوا يسألون عن الإسناد،
فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى حديث أهل السنة فيؤخذ حديثهم
وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».



وقلنا إن هذا الأثر حري أن يكون نصا في تأريخ
نشأة علم الجرح والتعديل، لذلك كان من المناسب أن نوسع القول في
حقيقة المراد بالفتنة التي وردت في عبارة ابن سيرين.



يرى "روبسون" أن المقصود بالفتنة
فتنة عبد الله بن الزبير (في حدود 76هـ) ويستند روبسون إلى عبارة رويت عن مالك
أطلق فيها كلمة "الفتنة" على حركة ابن الزبير، وهذا التفسير – في رأيه –
يتفق مع عمر ابن سيرين الذي كانت ولادته سنة 32هـ، مما يجعله عند حدوث فتنة ابن
الزبير في عمر يمكنه من الكلام بإدراك وإطلاع عما حدث في هذه الفترة.



ورأي "روبسون" على وهائه أدنى من رأي
"شاخت" الذي فسر الفتنة في كلام ابن سيرين أنها فتنة الوليد بن يزيد (ت
126هـ) معتمدا على التوافق في استعمال حكمة الفتنة بين قول ابن سيرين ونص ورد في
تاريخ الطبري حيث قال في حوادث سنة 162هـ: "واضطر أمر بني مروان وهاجت
الفتنة"، ومن ثم اعتبر شاخت أثر ابن سيرين موضوعا عليه لأنه توفي سنة 110هـ
أي قبل الفتنة.



ويعقب الأستاذ محمد العظمي على هذا قائلا: «
ومن الواضح الآن أن كل مناقشة – يعني شاخت – مبنية على تفسيره لكلمة فتنة، وهو
تفسير تابع لهواه».




وقد انزلق في هذه الطريقة في الربط بين تشابه كلمة الفتنة في التاريخ الأستاذ أكرم
العمري حيث حدد زمان الفتنة في عبارة ابن سيرين بفتنة مقتل عثمان بن عفان ، لكنه
استدل بعبارة لابن سيرين نفسه في موطن آخر ، وفيها يقول : " ثارت الفتنة
وأصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم عشر ةآلاف لم يخف منهم أربعون رجلا ".




وهي طريقة غير سديدة في فهم العبارات المتشابهة وحمل بعضها على بعض خاصة إذا عرفنا
أن الفتن التي حدثت في حياة ابن سيرين تبلغ أكثر من عشر فتن في أرجاء العالم الإسلامي ، وكلها كان يطلق
عليها فتن ، وكانت أصداؤها تتردد في كل أرجاء العالم الإسلامي محدثة أثرها بوجه أو
بآخر .



فمن التعسف إذن أن نفسر كلمة بمعنى لمجرد أن
صاحبها استعملها بمعنى في موطن آخر .




وقد حاول الأستاذ الأعظمي أن يكون ماديا حيث بحث عن آثار الفتنة في الحديث فوجد
أنها الوضع والاختلاق ، فاستقرأ الأحاديث الموضوعة في كتاب " الفوائد
المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني فلاحظ وجود 42 حديثا موضوعا
بخصوص النبي صلىالله عليه وسلم ، و38 حديثا موضوعا بخصوص الخلفاء الراشدين ، و96
حديثا موضوعا بخصوص علي وفاطمة ، و14 حديثا موضوعا بخصوص معاوية ، مما ينبئ أن حركة
الوضع كانت دائرة حول الأشخاص الذين يمثلون محور الفتنة ، وهما علي بن أبي طالب
ومعاوية رضي الله عنهما ، فاستنتج من هذا كله أن المراد بالفتنة في كلام ابن سيرين
هو فتنة تقاتل علي ومعاوية .




وهذه الطريقة على وجاهتها قد أخطأت النتيجة ، لأن الأستاذ الأعظمي يفترض أن من
الضروري أن تكون تلك الأحاديث وضعت في زمان الفتنة نفسها ، وهذا ليس بلازم ، بل
مخالف للشواهد كما سنبين .



إن
المنهج العلمي يدعونا إلى ربط الأسباب بمسبباتها ، ودراسة الاحتمالات وسبرها ثم
تعيين الاحتمال الذي يكون أكثر واقعية في ظل الظروف والحالة العامة المتصورة
للقضية .



وفي عبارة ابن سيرين جملتان جديرتان بالتأمل ،
لأن فيهما إشارة إلى تعيين الفتنة التي نحن بصددها .



هاتان الجملتان هما قوله : " فلما وقعت
الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم " وقوله : " وينظر إلى أهل البدعة
" .



فالجملة الأولى مشعرة بوجود فريقين يتجادلان ،
وأن كل فريق كان يستدل بنصوص مسندة ، والجملة الثانية مشعرة بأن معنى البدعة كان
حاضرا في ذهن ابن سيرين وهو يتحدث عن الفتنة ويتحدث عن الفريق الآخر الذي استدل
بتلك النصوص المسندة .



وكأن الفريق الآخر كان مبتدعا في نظر ابن سيرين
أو على أقل تقدير يستدل بنصوص رواها من عرف أنه من أهل البدع ، والبدعة بالمعنى
الشرعي لم تعرف في ذلك العصر إلا في فريقين : الخوارج والشيعة ، فهؤلاء هم الذين
عرفوا بالابتداع من بين الفرق السياسية المتقاتلة ، أما الفرق التي تقاتلت من
غيرهما فلم يعرف عنها ابتداع مثل عبد الله بن الزبير ومن ناصره وعبد الملك بن
مروان ونصراؤه ونحوهما ، أما البدع الأخرى التي ظهرت في ذلك العصر مثل الإرجاء
والقدر فلم تكن ذات صبغة سياسية ، بل ولم يطلق عليها أنها فتنة .



ومن هذا التتبع ينحصر البحث في بدعتين هما
اللتان يجدر أن تكونا سببا في حركة الوضع ، لكن التاريخ يثبت أن الخوارج لم يعرف
عنهم الوضع والكذب ، يقول مالك عن عمران بن حطان : " لأن يخر عمران من السماء
أحب إليه من أن يكذب " ، وكان عمران بن حطان من دعاة الخوارج .



فلم يبق عندئذ إلا بدعة التشيع التي علم التصاق
حركة الوضع بها ، لكننا نجزم أن وضع الشيعة للأحاديث لم يكن في عصر علي رضي الله
عنه لأمور :




الأول : أن الوضع لو حدث في عصر علي لقاومه أشد مقاومة ، كما فعل مع من زعم
ألوهيته حيث لم يتهاون معهم ، بل حرقهم تحريقا وأنشد :



لما رأيت الأمر أمرا
منكرا أججت ناري ودعوت قَنْبُرَا



ولا يعقل أن يكون علي رضي الله عنه - وهو
المشهور بتحوطه في رواية الأحاديث – يرى أحاديث توضع بحضرته أو بمسمع منه فيقرها
ويسكت عنها أو يتهاون في محاربة واضعيها .



ولما أشيع في حياته بأن أهل البيت لهم علم خاص
ورثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك . ففي صحيح البخاري أن أبا جُحيفة قال لعلي بن أبي طالب : هل
عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ وفي رواية : ما ليس عند الناس ؟ فقال
علي بن أبي طالب : " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن
، إلا فهما يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة " قلت : وما في ا لصحيفة ؟ قال
: "العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر " .



الثاني : أن حركة الوضع التي قام بها الشيعة
لوكانت في حياة علي رضي الله عنه لكان خصومة أكثر الناس تشهيرا واستغلالا لذلك ،
لكنه لم ينقل في سجالات الفريقين ( علي ومعاوية في حياتهما ) أنه اتهم أحدهما
الآخر بوضع الأحاديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .



الثالث : ما جاء في مقدمة في صحيح مسلم بسنده
عن طاووس قال : " أُتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه ، فمحاه إلا
قدر ذراع – وكان الكتاب مستطيلا أي طويلا – ثم بسنده إلى الأعمش عن أبي إسحاق قال
: " لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علي
: قاتلهم الله ! أي علم أفسدوا ".



قال النووي في شرح ذلك : " أشار بذلك إلى
ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي رضي الله عنه وحديثه ، وتقولوه عليه من
الأباطيل ، وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلقة ، وخلطوه بالحق
فلم يتميز ماهو صحيح عنه بما اختلقوه " .



وهذا كله يفيد أن الفئة التي وصفت بأنها من أهل
البدع في كلام ابن سيرين تصدق أقرب ما تصدق على الشيعة لأنها هي البدعة الوحيدة
التي شاركت في صنع الفتنة ووضع الحديث على ما هو مشهور في التاريخ ، ويؤيد ذلك قول
ابن عباس : " إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم
نأخذ من الناس إلا ما نعرف " .



وفي رواية أخرى : " إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم
يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه " .



والذي يترجح لي أن الفتنة التي عناها محمد بن
سيرين هي فتنة المختار بن عبيد الثقفي والتي أدت إلى ظهور وانتشار طائفة الكيسانية
التي اعتنق المختار مبادئها في نهاية الأمر ، وهم من الشيعة الغلاة ، بل لا يستراب
في كفر أقوال صدرت منهم ، وقد ظهر المختار هذا على العراق وانتشر صيته وذاع أمره .



وليس بمستبعد أن المختار عندما ظهر أمره كان له
من أصحاب الجدل والمناظرة من يدعون إلى بدعته ويروجون لأفكاره ، والاصطدام المباشر
من الناحية الفكرية لا بد أن يكون مع أهل السنة وخاصة طائفة أهل الحديث ونقلته
الذي كانوا بمعزل عن كل تلك الفتن ، وهنا يمكن تصور الظرف الذي قال فيه محمد بن
سيرين مقولته .



والذي يدعونا إلى تأخير تعيين وقت الفتنة – التي
أرخ بها ابن سيرين بدأ الجرح والتعديل – هو استحالة ظهور الوضع وانتشاره في عهد
الصحابة رضوان الله عنهم، إذ المتصور أنهم سيكونون أول المتصدين لأولئك الكذبة على
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل عبد الله بن عباس فيما مر معنا .



لكن يظهر أن الوضع قد بدأ يتعاظم بعد أن قل عدد
الصحابة رضوان الله عليهم وأمن الكذابون من تصدي الصحابة ،فما اسهل أن يدعي كاذب
أنه سمع من أبي سعيد الخدري وأبي هريرة بعد موتهما ، فعندئذ لم يعودوا يقبلون أي
سند إلا أن يعرف راويه أنه من أهل السنة لتزول الشبهة في انتحاله وكذبه .



والذي يرجح أن الكذب ابتدأ انتشاره على يد
الكيسانية ما جاء عن حرملة بن نصر العبسي ( من أصحاب علي بن أبي طالب ) أنه لما
رأى أصحاب المختار بن عبيد الثقفي يكذبون في الحديث قال : " مالهم قاتلهم
الله ، أي عصابة شانوا وأي حديث أفسدوا " .



وعن إبراهيم النخعي قال : " إنما سئل عن
الإسناد أيام المختار " قال ابن رجب : " وسبب هذا أنه كثر الكذب على علي
في تلك الأيام " .



وهذا مرجح قوي أن الفتنة المقصودة في كلام ابن
سيرين هي فتنة المختار ، وقد ذهب إلى تعيين زمان السؤال عن الإسناد فتنة المختار
الأستاذ نور الدين عتر في كتابه : منهج النقد في علوم الحديث .



ومع أن عبارة ابن سيرين لا تنص على الأشخاص
الذين ابتدءوا حركة السؤال عن الرجال والتفتيش في الأسانيد إلا أن النقاد تكاد
تتفق كلمتهم على أن محمد بن سيرين نفسه أول من اشتهر عنه فعل ذلك .



ومن ذلك عبارته الشهيرة : " إن هذا العلم
دين فانظروا عمن تأخذوا دينكم " .



وقد ذكر ابن رجب الحنبلي أن محمد بن سيرين هو
أول من انتقد الرجال وميزن الثقات من غيرهم ، ونقل عن يعقوب بن شيبة قال : قلت
ليحيى بن معين : أتعرف أحدا من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين
ينتقيهم ؟ فقال برأسه : أي لا . قال يعقوب : وسمعت علي بن المديني يقول : كان ممن
ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد ولا نعلم أحدا أول منه ( كذا ) محمد بن سيرين ثم
كان أيوب ( يعني السختياني ) وابن عَون ( يعني جعفر بن عون المخزومي ) ثم كان شعبة
ثم كان يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ( يعني ابن مهدي ) .



فهذا تنصيص عن اثنين من كبار نقاد الحديث (
يحيى بن معين وعلي بن المديني ) على أولية محمد بن سيرين في التفتيش عن الإسناد
وأقرهما على ذلك عالم مطلع هو ابن رجب الحنبلي رحم الله الجميع .



ويشكل على هذا ماجاء عن صالح جَزَرَة ( وهو من
أئمة نقد الحديث أيضا ) أنه قال : " أول من تكلم في الرجال شعبة ثم تبعه يحيى
بن سعيد القطان ثم أحمد وابن معين " فحاول السيوطي أن يؤول ذلك ، جمعا بين
الآراء ، فقال : " يعني أن أول من تصدى لذلك " .



والأولى أن يقال إن شعبة هو أول من تصدى لتجريح
الرجال وإشهار الكلام عن الضعفاء والتحذير من الرواية عنهم ( كما روي عنه ذلك )
وتعقب المرويات لمعرفة أصولها والخطأ فيها ، أما ابن سيرين فكان أول من فتش عن
أحوال الرجال على أساس معرفة من هم من أهل السنة أو من أهل البدعة كما يفهم ذلك من
تفسيره كيفية السؤال عن الإسناد في عبارته المنقولة .



وشعبة تجاوز ذلك إلى مرحلة المعارضة بين
الروايات والأخذ عن الثقات أي عمن عرف بالضبط والحفظ أيضا ، وليس مجرد أن يكون من
أهل السنة ، هذا ما بدا لي من تأمل ما نقل عن ابن
سيرين وشعبة رحم الله الجميع .



وبهذا يتبين لنا أن الجرح والتعديل ابتدأ كعلم
في عصر أتباع التابعين وبالأخص على يد شعبة بن الحجاج أبو بِسطام البصري ، ثم
انتشر بعد ذلك في كل الأقطار .



وما ذكرنا عن أولية شعبة أو محمد بن سيرين لا
ينفي بدء حصول الجرح والتعديل منذ وقت مبكر وليس على نحو منظم يعطيه صبغة العلم .



ويناسب هنا أن نؤرخ لهؤلاء الذين عرف عنهم
التثبت فيما ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتبين لنا أ، علم الجرح
والتعديل لم يكن علما لقيطا نشأ على غير رِشدة ، بل له جذور ضاربة في عمق العصور
الفاضلة .



وأصل الجرح والتعديل إنما هو التثبت الذي هو
خلق إسلامي حض عليه الدين وندب إليه المؤمنون ، فقال الله تعالى : ( يا أيها الذين
آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم
نادمين " .



وقد توافرت آيات عديدة في التحذير من الخرص
والظن والقول بغير علم ، قال الله تعالى : (قتل الخراصون ) ، وقال تعالى : ( وإن الظن لا يغني من الحق
شيئا ) ، وقال تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به
علم ) .



وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتباع
الظن فقال : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " .



وفي عصر أبي بكر بن الصديق جاءت امرأة ( جدة )
تسأله الميراث ، فسأل الصحابة فأجابه المغيرة بأنها ترث السدس بقضاء رسول الله صلى
الله عليه وسلم فطلب منه أن يأتيه بشاهد ، فشهد معه محمد بن مسلمة .



ولذلك قال الحافظ الذهبي عن أبي بكر الصديق :
" هو أول من احتاط في قبول الأخبار " ، وقال أيضا : " وإليه
المنتهى في التحري في القول والقبول " .



وفعل ذلك عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري
حين ذكر له حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم
يؤذن له فليرجع " فقال عمر : والله لتقيمن عليه البينة ، فجاء حلقة الصحابة
وشهد معه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عنهم .



ولم يكن أبو بكر ولا عمر يتهمان الصحابة
بالتقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يردعانهم عن التبليغ عنه ، بل
فعلا ذلك حتى لا يجترئ من بعدهم أو غيرهم ممن ليس محله في الإسلام كمحلهم.



وكان علي بن أبي طالب يستحلف من يحدثه بحديث
النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان يقول: " كنت إذا سمعت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديثا نفعني الله عز وجل بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني غيره
استحلفته فحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر .. " .



وقد فهم كثير من الباحثين من هذه الرواية – على
ما فيها – أن علي بن أبي طالب كان يستحلف كل أحد يروي له عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم حديثا أو إنه اتخذ ذلك منهجا له ، وليس هذا بصحيح ، فواضح من الرواية أن عليا
لم يستحلف أبا بكر ، ويظهر أن عليا رضي الله عنه كان يستحلف من يستراب في حديثه .



وذكر الحاكم أن أبا بكر وعمر وعلي بن أبي طالب
وزيد بن ثابت جرحوا وعدلوا وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها .



ثم استن بسنتهم واهتدى بهديهم في هذا جماعات من
التابعين ،ثم من بعدهم على اختلاف مدارسهم ومشاربهم وبلدانهم .



ثم أتت بعد ذلك مرحلة احتاج فيها المحدثون
لتأصيل هذا المنهج في الجرح والتعديل وبيان أصالته واستناده إلى أدلة الشرع
واحتياج المسلمين إليه من جهة صيانة نصوص الشريعة عن غائلة الانتحال والكذب والخطأ
من الرواة .



التأصيل الشرعي


قد أسلفنا عند الكلام عن نظرية الإسناد أن نصوص
الشرع وجهت إلى مبدأ الإسناد وروحه، ودلت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم على
تزكيته بل اعتماده .



ومن ثم لم تكن هناك معارضة لهذا المبدأ ولم
يحاول أحد في تلك لعصور أن يشكك في شرعية مبدأ الإسناد ، بل سرى حتى غدا تقليدا
متبعا ومهيعا مسلوكا كما ذكرنا .



ولذلك لما نظر ابن المبارك لمبدأ الإسناد قائلا
: :" إن الإسناد دين " لم يعترض أحد من الناس بدعوى أنه ابتداع ، أو
يستنكر على ابن المبارك إدخال ما ليس من الدين فيه .



ولكن علم الجرح والتعديل لم يكن بهذه المثابة ،
فقد نشأ هذا العلم في رحم الإسناد ولكنه لم يأخذ سمة العلم إلا في وقت متأخر ، في
الوقت الذي كان مبدأ الإسناد قد استقر واعتمد بدون أي خلاف فيه .



وقد علمنا أن الجرح والتعديل قد مارسه الصحابة
رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم ، ولكن طائفة لم تستوعب هذا الاتجاه الجديد في
نقد الإخبار والأسانيد ، وظنت أن جرح الرواة لا يعدو أن يكون من الغيبة أو البهتان
على الناس ، وهو مما نهى عنه الشارع .



فنشط المحدثون لتأصيل نظرية الجرح والتعديل من
الناحية الشرعية ، وبيان وجه الحاجة إليه لحفظ الشريعة من انتحال المبطلين .



وممن أصل لذلك الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ،
والإمام الترمذي في العلل الصغير الذي ألحقه بكتاب الجامع .



ونورد هنا ما ذكره الإمام الترمذي لأنه أصرح
وأقعد ، قال رحمه الله : " وقد عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلام
في الرجال ، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال ، منهم
الحسن البصري وطاووس قد تكلما في معبد الجهني ، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب
، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارب الأعور ، وهكذا روي عن أيوب
السختياني وعبد الله بن عوف وسليمان التيمي وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك
بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطن ووكيع بن الجراح وعبد
الرحمن بن مهدي وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا ، فما حملهم على
ذلك عندنا والله أعلم إلا النصيحة للمسلمين ، لا نظن أنهم أرادوا الطعن على الناس
أو الغيبة ، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا لن بعضهم ( كذا )
من الذين ضعفوا كان صاحب بدعة وبعضهم كان متهما في الحديث وبعضهم كانوا أصحاب غفلة
وكثرة خطأ فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتبيينا لأن
الشهادة في الدين أحق أ، يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال ".



ثم يشرح ابن رجب كلام الترمذي فيقول : "
مقصود الترمذي رحمه الله أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز ، قد أجمع عليه
سلف الأمة وأئمتها لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله ،
وقد ظن بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة ، وليس كذلك ، فإن ذكر عيب الرجل
إذا كان فيه مصلحة ولو كانت خاصة كالقدح في شهادة شاهد زور جائز بغير نزاع ، فما
كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى ... وكذلك يجوز ذكر العيب إذا كان فيه مصلحة
خاصة " .



وقد استبان لي أن من ذكرهم الترمذي وابن رجب من
أنهم عابو أهل الحديث هم بعض الصوفية والمتزهدة الذي نالهم شيء من جرح المحدثين ، فقد روى البيهقي من طريق الحسن بن ربيع
قال : " قال ابن المبارك : المعلى بن هلال هو ( كذا ) إلا أنه إذا جاء الحديث
يكذب ، فقال له بعض الصوفية : يا أبا عبد الرحمن تغتاب ؟ قال : اسكت ، إذا لم تبين
كيف يُعرف الحق من الباطل .. أو نحو هذا " .وقد أصل العلماء والمحدثون جواز الجرح
والتعديل بأدلة من الكتاب والسنة وعلم السلف.



فمن الكتاب قوله تعالى : ( يا أيها الذين
آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم في
الأحمق المطاع : " بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة " ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
لفاطمة بنت قيس حينما استشارته في نكاح معاوية أو أبي جهم : " أما معاوية
فصعلوك لا مال له ، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه " .



ومن التعديل قوله تعالى : ( والسابقون الأولون
من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم في تزكية
القرون الثلاثة : " خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " ، وقوله صلى الله عليه وسلم في تزكية أويس
القرني : " إن خير التابعين رجل يقال لـه أويـس " .



وقد أحس السلف بوطأة الناقدين عليهم فأخذوا يبينون
للناس وجه تصديهم لهذا الشأن ، فعن شعبة أنه كان يسمي الجرح والتعديل : الغيبة في
الله ، وقال إسماعيل بن عُلَيَّة : إن هذا أمانة وليس بغيبة .



وسئل أبو مُسْهِر عن الرجل يغلط ويهم ويصحف ؟
فقال : بين أمره ، فقيل له : أترى ذلك غيبة ؟ قال: لا .



ومثل هذا روي ن أحمد بن حنبل حين رآه شيخ وهو
يجرح الرواة ، فقال له الشيخ : يا شيخ لا تغتب العلماء ، فالتفت إليه أحمد وقال :
ويحك هذا نصيحة وليس بغيبة .



والآثار في ذلك كثيرة عن المحدثين ، المقصود
أنهم لم يقدموا على هذا الشأن إلا بدافع شرعي سام ، وهو مصلحة المسلمين بحفظ نصوص
الشرع عليهم من الانتحال والتحريف .



وقد استوفى ذلك الحافظ الخطيب البغدادي تلك
الآثار في " الكفاية في علم الرواية "
فذكر الأدلة والنصوص والآثار عن السلف
في بيان أن الجرح والتعديل ليس بغيبة ، وأن فيه مصلحة كبيرة للمسلمين ، وهذا يدل
على أن المحدثين قد بنو نظرية الجرح والتعديل على أساس علمي سليم ولم يكن وليد هوى
وشهوة نفس .






- رواه مسلم في مقدمة الصحيح (1/15) والترمذي
في العلل ص81 بشرح ابن رجب والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص12 والخطيب البغدادي في
الكفاية ص122.



- بخلاف المستشرقين الذين أرخوا بأثر ابن سيرين
هذا بداية تداول الأسانيد واستعمالها أنظر بحوث في تاريخ السنة المشرفة أكرم
العمــري ص49.



- بحوث في تاريخ السنة المشرفة أكرم العمري
ص49.



- بحوث في تاريخ السنة المشرفة. أكرم العمري
ص35 ودراسات في الحديث النبوي محمد الأعظمي (2/394).



- دراسات في الحديث النبوي محمد الأعظمي
(2/395).



روى هذا الأثر عبد الرزاق في المصنف ( 11/357)
وقال الأستاذ العمري : بسند صحيح . وانظر : بحوث في تاريخ السنة المشرفة له ص 44
وانظر أيضا : لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث ، عبد الفتاح أبو غدة ص36-39



فمنها فتنة مقتل عثمان وفتنة التقاتل بين علي
ومعاوية وفتنة الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين ،
وفتنة مقتل علي وانتشار بدعة الخوارج والرافضة ، وفتنة مقتل الحسين وفتنة عبد الله
بن الزبير وفتنة الحرة ( حوالي 63هـ) وفتنة جرت بالشام بين مروان بن الحكم والضحاك
بمرج راهط وفتنة المختار بن عبيد الثقفي حيث وثب على ابن زياد وفتله ، وفتنة مصعب
بن الزبير حيث وثب على المختار فقتله ، وفتنة تقاتل عبد الملك ومصعب بن الزبير
وفتنة خروج ابن الأشعث على الحجاج ، وفتنة ابن المهلب بخراسان ... ( انظر العواصم
من القواصم لأبي بكر بن العربي والتمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان للمالقي
الأندلسي والفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر الضبي وحوادث ما بين عام أربعين وسبعين
للهجرة من تاريخ الطبري وابن كثير ) .



دراسات في الحديث النبوي . الأعظمي ( 2/395) .


صحيح البخاري ( 6/2531) .


لم يعرف من أصحاب معاوية أحد اتهم بالكذب ولكن
في أصحاب علي اشتهر نفر بذلك منهم الحارث الأعور ( انظر تهذيب التهذيب لابن حجر
2/145).



شرح النووي على صحيح مسلم ( 1/80)


السابق .


قال العلامة السندي في حاشيته على صحيح مسلم
:" قوله : نحدث ، ضبط في غالب النسخ بكسر الدال على بناء الفاعل ، والوجه
عندي أنه على بناء المفعول وهو كناية عن الميل إلى سماع الحديث من الناس والأخذ
عنهم ، فإن كذب الناس يمنع نم الأخذ عنهم " . انظر لمحات من تاريخ السنة
وعلوم الحديث . عبد الفتاح أبو غدة ص 38 .



السابق .


شرح علل الترمذي لابن رجب ص83 .


السابق .


منهج النقد في علوم الحديث . نور الدين عتر
ص47.



رواه مسلم في مقدمة الصحيح ( 1/14) عن محمد بن
سيرين . ورواه ابن حبان في المجروحين عن زيد بن أسلم بنحوه ( 1/15) ورواه من كلام
الحسن وأنس بن سيرين والضحاك بن مزاحم والنخعي ( 1/15) ورواه بإسناد لا يصح عن أبي
هريرة وابن عباس ، وانظر شرح علل الترمذي لابن رجب ص90-91.



شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ص82 .


تدريب الراوي . السيوطي ( 2/369) .


انظر كتاب المجروحين لابن حبان ص46.


الحجرات 6


الذاريات 10


النجم 28


الإسراء 36


رواه البخاري في صحيحه ( 5/1976) .


رواه الترمذي في السنن ( 4/419) وأبو داود (
3/121) وابن ماجة ( 2/909) وغيرهم .



تذكرة الحفاظ . الذهبي ، ص 2 وص5 .


رواه البخاري (5/2305) ومسلم ( 3/1694) .


المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل . فاروق
حمادة ص27.



رواه أحمد (1/2) والنسائي في الكبرى ( 6/109)
والضياء في المختارة (1/83) وابن ماجة ( 1/446) . وقد أعل زيادة الاستحلاف غير
واحد من المحدثين منهم البخاري بجهالة أسماء بن حكم الفزاري ، وانظر الأنوار
الكاشفة للمعلمي ص68 ، ومنهج النقد عند المحدثين لمحمد الأعظمي ص57.



معرفة علوم الحديث . الحاكم النيسابوري ص52.


فصل ابن حبان في مقدمة كتاب " المجروحين
" تلك المدارس وأماكنها وطبقاتها ، بدءا من الصحابة ، وانتهاء بطبقة أحمد
وابن معين والبخاري ومسلم وأبي زرعة وأضرابهم ، كما فصل ذلك أيضا ابن أبي حاتم في
تقدمة كتابه " الجرح والتعديل " .



شرح علل الترمذي لابن رجب ص76-77


لاحظ المحدثون بالتتبع والسبر أن الضعف وسوء
الحفظ ملازم في الغالب للمتزهدة والمنقطعين للعبادة . انظر الكفاية للخطيب
البغدادي ص158 وشرح علل الترمذي لابن رجب ص48 .



شرح علل الترمذي لابن رجب ص79


الحجرات 6 ، وقرئ : ( فتثبتوا ... ) انظر تفسير
ابن كثير (4/425) .



رواه البخاري ( 2/938) ، ( 5/2362) ، ( 6/2463)
.



رواه أحمد في المسند (6/412) ومسلم في صحيحه (
2/1114) .



التوبة 100


رواه البخاري (5/258) ومسلم ( 16/87) .


رواه مسلم (16/95) .


شرح علل الترمذي لابن رجب ص78.


الكفاية للخطيب البغدادي ص37.





المصدر : شبكة عبد
الكريم الإسلامية

كوثر
عضو نشيط
عضو نشيط

انثى
تاريخ التسجيل: 25/01/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى